فالنافي للعمل بالظن فيما نحن فيه ليس إلا قاعدة الاحتياط الآمرة باحراز الاحتمالات الموهومة وترك العمل بالظنون المقابلة لتلك الاحتمالات ، وقد فرضنا أن قاعدة الاحتياط ساقطة بأدلة نفي العسر والحرج.
ثم لو فرضنا ثبوت الحرمة الذاتية للعمل بالظن ولو لم يكن على جهة التشريع ، لكن عرفت سابقا عدم معارضة عمومات نفي العسر لشيء من العمومات المثبتة للتكليف المتعسر (١).
ومنها : أن الأدلة النافية للعسر إنما تنفي وجوده فى الشريعة بحسب أصل الشرع أولا وبالذات ، فلا تنافي وقوعه بسبب عارض لا يسند إلى الشارع ، ولذا لو نذر المكلف أمورا عسرة ، كالأخذ بالاحتياط في جميع الأحكام الغير المعلومة ، وكصوم الدهر ، أو احياء الليالي ، أو المشي إلى الحج ، أو الزيارات ، لم يمنع تعسرها عن انعقاد نذرها ، لأن الالتزام بها إنما جاء من قبل المكلف ، وكذا لو اجر نفسه لعمل شاق لم يمنع مشقته من صحة الاجارة ووجوب الوفاء بها.
وحينئذ فنقول : لا ريب أن وجوب الاحتياط باتيان كل ما يحتمل الوجوب وترك كل ما يحتمل الحرمة إنما هو من جهة اختفاء الأحكام الشرعية المسبب عن المكلفين المقصرين في محافظة الآثار الصادرة عن
__________________
(١) حيث تقدم حكومتها على العمومات المذكورة ، وعدم ملاحظة الترجيح بينهما ، وحينئذ يتعين حكومتها على عموم حرمة العمل بالظن ، وحمله على غير صورة الانسداد التي يلزم من الرجوع إليه فيها العسر. هذا وقد عرفت أن المعارض لعموم حرمة العمل بالظن هو قاعدة قبح ترجيح المرجوح على الراجح لا قاعدة نفي العسر والحرج. فلاحظ.
![التنقيح [ ج ٢ ] التنقيح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4668_altanqih-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
