أقول : لا يخفى أنه ليس المراد من أصل دليل الانسداد إلا وجوب العمل بالظن ، فإذا فرض أن هذا الواجب تردد بين ظنون ، فلا غرض إلا في تعيينه بحيث يحكم بأن هذا هو الذي يجب العمل به شرعا ، حتى يبني المجتهد عليه في مقام العمل ويلتزم بمؤداه على أنه حكم شرعي عزمي من الشارع. وأما دواعي ارتكاب بعض الظنون دون بعض فهي مختلفة غير منضبطة : فقد يكون الداعي إلى الاختيار موجودا في موهوم الاعتبار لغرض من الأغراض ، وقد يكون في مظنون الاعتبار.
فليس الكلام إلا في أن الظن بحجية بعض الظنون هل يوجب الأخذ بذلك الظن شرعا ، بحيث يكون الآخذ بغيره لداع من الدواعي معاقبا عند الله في ترك ما هو وظيفته من سلوك الطريق؟ وبعبارة أخرى : هل يجوز شرعا أن يعمل المجتهد بغير مظنون الاعتبار ، أم لا يجوز؟ إن قلت : لا يجوز شرعا.
قلنا : فما الدليل الشرعي بعد جواز العمل بالظن في الجملة على أن (١) تلك المهملة غير هذه الجزئية (٢)؟
وإن قلت : يجوز ذلك ، لكن بدلا عن مظنون الاعتبار (٣) لا جمعا
__________________
(١) متعلق بقوله : «فما الدليل الشرعي» والمراد بالجزئية هي عدم جواز العمل بالظن غير الذي لا يظن باعتباره.
(٢) هذا الكلام متين في رد الكلام السابق. فلا بد في تعيين مظنون الاعتبار من معين قطعي ، وقد عرفت أنه موقوف على جريان دليل الانسداد في تعيين المهملة.
(٣) هذا قد يوهم أن المراد به كون مظنون الاعتبار هو الأصل وغيره بدلا عنه لكن لا وجه للأصالة المذكورة ، بل الظاهر أن المراد كون الحجة شيئا واحدا
![التنقيح [ ج ٢ ] التنقيح](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4668_altanqih-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
