فالمانع من العطف في هذا الموضع وجود الرابطة القويّة بين الجملتين فأشبهت حالة اتحاد الجملتين ـ ولهذا وجب أيضًا الفصل .
الموضع الرابع : « شِبه كمال الانقطاع » وهو أن تسبق جملةٌ بجملتين يصحُّ عطفها على الأُولى لوجود المناسبة ، ولكن في عطفها على الثانية فسادٌ في المعنى ، فيُترك العطف بالمرَّة دفعًا لتوهُّمِ أنه معطوف على الثانية ـ نحو :
[ الكامل ]
|
وَتَظنُّ سَلمَى أنّني أبغِي بها |
|
بدلًا أُراها في الضلال تَهيمُ |
فجملة « أُراها » يصح عطفها على جملة « تظنّ » لكن يمنع من هذا توهُّم العطف على جملة « أبغي بها » فتكون الجملة الثالثة من مظنونات سلمى ، مع أنه غير المقصود ـ ولهذا امتنع العطف ووجب أيضًا الفصل .
والمانع من العطف في هذا الموضع « أمر خارجي احتمالي » يمكن دفعه « بمعونة قرينة » ومن هذا وممّا سبق يُفهم الفرق بين كلّ من « كمال الانقطاع ـ وشبه كمال الانقطاع » .
الموضع الخامس : « التَّوسّط بين الكمالين مع قيام المانع » وهو كون الجملتين مُتناسبتين وبينهما رابطة قويّة ـ لكن يمنع من العطف مانع ، وهو عدم قصد التّشريك في
____________________
= تعالى : ( وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ) [ البقرة : ١٤ ـ ١٥ ] .
رابعًا ـ أن تكون الثانية قوية الرابطة بالأولى ، لأنها جواب عن سؤال يفهم من الأولى ، فهذه الرابطة القوية تمنع العطف ، لأنها أشبهت حالة اتحاد الجملتين ( ويسمى ذلك شبه كمال الاتصال ـ مثل رأيته مبتسمًا ، أظنه نجح ) .
خامسًا ـ أن تكون الأخيرة مناسبة للأولى ، ولا مانع من عطفها عليها ، ولكن يعرض حائل بينهما وهو جملة أخرى متوسطة ، فلو عطفت الثالثة على الأولى المناسبة لها لتوهم أنها معطوفة على المتوسطة ، فامتنع العطف بتاتًا وأصبحت الجملتان كأنهما منقطعتان بهذا الحائل ـ ويُسمى ذلك شبه كمال الانقطاع ، نحو : قول الشاعر : [ الكامل ]
|
وتظنّ سلمى أنّني أبغِي بها |
|
بدلًا أراها في الضّلال تَهيمُ |
واعلم أنّ التركيب الذي تجاذبت فيه أسباب الوصل وتعاضدت دواعيه قد يفصل إمّا لمانع من تشريك الجملة الثانية مع الأولى ويُسمى قطعًا كما سبق ، وإمّا لجعله جواب سُؤال مقدّر لإغناء السّامع عنه ، أو لكراهة سماعه له لو سأل ، أو لكراهة انقطاع كلامه بكلام السائل ، أو للاختصار ، ويُسمّى الفصل لذلك استئنافًا ـ كقوله : [ الخفيف ]
|
في المهد ينطق عن سعادة جدّه |
|
أثر النّجابة ساطع البرهان |
« على تقدير أنه جواب كيف ينطق وهو رضيع لم يبلع أوان النّطق ؟ » .
