ولما كانت حقيقة بأن يتسبب عنها الإيمان عند سلامة القلب ، سبب عنها قوله :
(فَاسْتَكْبَرُوا) مبينا أن الذي منعهم من الإيمان مرض القلب بالكبر والطغيان (وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) أي في جبلتهم قطع ما ينبغي وصله مع قوتهم على ما يحاولونه.
ولما كان هذا في الحقيقة نقضا لما أخذه الله على العباد بعهد العقل ، أتبعه نقضا حقيقيا ، فقال مبينا لحالهم عند كل آية ، ولعله عبر بما يشملها ولم ينص على التكرار لأن ذلك كاف فيما ذكر من النقض والفسق : (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ) يعني العذاب المفصل الموجب للاضطراب (قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ) أي المحسن إليك ، ولم يسمحوا كبرا وشماخة أن يعرفوا به ليقولوا : ربنا (بِما عَهِدَ عِنْدَكَ) أي من النبوة التي منها هذا البر الذي تراه يصنعه بك ؛ ثم أكدوا العهد بقولهم استئنافا أو تعليلا : (لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ) أي العذاب الذي اضطربت قلوبنا وجميع أحوالنا له (لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ) أي لنجعلنك آمنا من التكذيب بإيقاع التصديق ، ويكون ذلك خالصا لأجلك وخاصا بك (وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ) أي في صحبتك ، لا نحبس أحدا منكم عن الآخر (بَنِي إِسْرائِيلَ) أي كما سألت ؛ ودل على قرب الإجابة بالفاء في قوله : (فَلَمَّا كَشَفْنا) أي بعظمتنا (عَنْهُمُ الرِّجْزَ) كرره تصريحا وتهويلا ، ومددنا الكشف (إِلى أَجَلٍ) أي حد من الزمان (هُمْ بالِغُوهُ) أي في علمنا (إِذا هُمْ) أي بضمائرهم التي تجري ظواهرهم على حسبها (يَنْكُثُونَ).
ولما أخبر أنهم فاجؤوا النكث وكرروه ، سبب عنه قوله : (فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ) أي انتقاما ليس كذلك الذي كنا نؤذيهم به ، بل انتقام إهلاك عبرة لوصولهم بعد كشف جميع الشبه إلى محض العناد ؛ ثم فسره بقوله : (فَأَغْرَقْناهُمْ) بما لنا من العظمة (فِي الْيَمِ) أي في البحر الذي يقصد لمنافعه (بِأَنَّهُمْ) أي بسبب أنهم (كَذَّبُوا بِآياتِنا) أي على ما لها من العظمة بما عرف من صحة نسبتها إلينا ، ودل سبحانه على أنهم كذبوا بغير شبهة عرضت لهم بل عنادا بقوله : (وَكانُوا) أي جبلة وطبعا (عَنْها غافِلِينَ) أي يكون حالهم بعدها كحالهم قبلها ، فكأنها لم تأتهم أصلا فاستحقوا الأخذ لوقوع العلم بأن الآيات لا تفيدهم.
ولما أخبر عن إهلاكهم ، عطف عليه ما صنع ببني إسرائيل فقال : (وَأَوْرَثْنَا) أي بعد إهلاكهم بما لنا من العظمة (الْقَوْمَ) ولما أشار بهذه العبارة ـ التي معناها أنه كانت فيهم قوة وكثرة وشدة عزم على ما يحاولونه ويقومون به ـ إلى أنه هو الذي أذلهم لا فرعون ، أتبعه ما يدل عليه فقال : (الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ) أي يطلب ضعفهم ويوجد بالشوكة واجتماع الكلمة بحاكم قد تمكنت عظمته في القلوب التي الوهم غالب عليها ،
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
