يتألهونه أي يطيعونه ، فإنه نقل عنهم أنهم كانوا يسمون الحاكم بل والكبير إلها كما سيأتي عن عبارة التوراة ، فحيث وقعت الموازنة بين موسى عليهالسلام وقومه وبين فرعون وقومه ، عبر بالآلهة تعظيما لجانبه بالإشارة إلى أنه إله أي حاكم معبود ، ليس وراءه منتهى وملؤه كلهم آلهة أي حكام دونه ، وموسى عليهالسلام ليس بإله ولا في قومه إله بل هم محكوم عليهم فهم ضعفاء فكيف يتركون! وحيث نفى الإلهية عن غيره فبالنظر إلى خطابه للملأ (ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي) [القصص : ٣٨] وحيث حشر الرعية ناداهم بقوله (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) [النازعات : ٢٤] وكأن ذلك كان يطلق على الحاكم مجازا ، فجعلوه حقيقة وصاروا يفعلون ما يختص به الآلهة من التحليل والتحريم كما قال تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) [التوبة : ٣١] فكفروا بادعاء الربوبية بمعنى العبودية ، ونفي المعبود الحق بدليل آية (ما عَلِمْتُ ،) والحاصل أنهم عيروه بالرضى بأن يكون رئيسا على القبط وموسى عليهالسلام رئيسا على بني إسرائيل فيكونوا بهذه المتاركة أكفاء للقبط.
ولما أعجزه الله سبحانه أن يفعل بهم أكثر مما كان يعمل قبل مجيء موسى عليهالسلام لما يراد به من الاستدراج إلى الهلاك ، أخبر عنه سبحانه بما يفهم ذلك فقال مستأنفا : (قالَ) أي فرعون (سَنُقَتِّلُ) أي تقتيلا كثيرا (أَبْناءَهُمْ) أي كما كنا نفعل (وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ) أي نبقيهم أحياء إذلالا لهم وأمنا من غائلتهم في المستقبل (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ) أي الآن (قاهِرُونَ) ولا أثر لغلبة موسى لنا في هذه المناظرة لئلا تتوهم العامة أنه المولود الذي تحدث المنجمون والكهنة بذهاب ملكهم على يده فيثبطهم ذلك عن الطاعة ، موهما بهذا أن تركه لأذى موسى عليهالسلام لعدم التفاته إليه ، لا يعجزه شيء عنه.
ولما كان هذا أمرا يزيد من قلق بني إسرائيل لما شموا من رائحة الفرج ، استأنف سبحانه الخبر عما ثبتهم به موسى عليهالسلام قائلا : (قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ) أي بني إسرائيل الذين فيهم قوة وقيام فيما يريدون من الأمور لو اجتمعت قلوبهم (اسْتَعِينُوا) أي ألصقوا طلب العون (بِاللهِ) الذي لا أعظم منه بما يرضيه من العبادة (وَاصْبِرُوا) ثم علل ذلك بأنه فعال لما يريد ، ولا اعتراض عليه ولا مفر من حكمه فقال : (إِنَّ الْأَرْضَ) أي كلها مصر وغيرها (لِلَّهِ) أي الذي لا أمر لأحد معه ، كرره تذكيرا بالعظمة وتصريحا وتبركا ؛ ثم استأنف قوله : (يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ.)
ولما أخبر أن نسبة الكل إليه واحدة ، أخبر بما يرفع بعضهم على بعض فقال : (وَالْعاقِبَةُ) أي والحال أن آخر الأمر وإن حصل بلاء (لِلْمُتَّقِينَ) أي الذين يقون
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
