بالمعجزات فأصروا على ذلك التكذيب ووقفوا لذلك الطبع مع حظوظهم ، ومنعتهم شماختهم وشدة شكائمهم عن الإيمان لئلا يقال : إنهم خافوا أولا فيما وقع منهم من التكذيب فكانوا فيه على غير بصيرة ، أو إنهم خافوا ثانيا ما قرعتهم به الرسل من الوعيد ، فدخلوا جبنا فيما يعلمون بطلانه ، فكان تزيين هذا لهم طبعا على قلوبهم ، فكأنه قيل : إن هذا العجب هل يقع في مثل ذلك أحد؟ فقيل : نعم ، مثل ما طبعنا على قلوبهم حتى صارت مع الفهم لا تنتفع ، فكأنها لا تفهم فكأنها لا تسمع (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ) أي الجامع لصفات الكبر ونعوت الجلال بما يجعل من الرين بما له من العظمة (عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ) أي كل من يغطي ما أعطاه الله من نور العقل بما تدعوه إليه نفسه من الهوى عريقا في الاتصاف بذلك فيترك آيات الله.
ولما كان نقض العهد أفظع شيء ولا سيما عند العرب ، قال عاطفا على (فَما كانُوا) : (وَما وَجَدْنا) أي في عالم الشهادة (لِأَكْثَرِهِمْ) أي الناس ، وأكد الاستغراق فقال : (مِنْ عَهْدٍ) طبق ما كان عندنا في عالم الغيب ، وهذا إما إشارة إلى الميثاق يوم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ) إن كان ذلك على حقيقته ، أو إلى ما يفعلون حال الشدائد من الإقلاع عن المعاصي والمعاهدة على الشكر (لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [يونس : ٢٢] «أو إلى إقامة الحجج بإفاضة العقول ونصب الأدلة ، فصار بنصبها وإيضاحها للعقول كأنه أخذ العهد على من عقل أنه يبذل الجهد في التأمل ولا يتجاوز ما أبداه له صحيح النظر (وَإِنْ) أي وإنا (وَجَدْنا) أي علمنا في عالم الشهادة (أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) أي خارجين عن دائرة العهد مارقين مما أوقفهم عند الحد عريقين في ذلك طبق ما كنا نعلمه منهم في عالم الغيب ، وما أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به الحجة على ما يتعارفونه بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم.
ولما انقضى بيان هذا الإجمال الخالع لقلوب الرجال ، أتبعه الكشف عما كان بعد قصة شعيب عليهالسلام من قصة صهره موسى عليهالسلام مع فرعون وقومه ، وهي كالدليل على آيات الإجمال كما كانت القصص الماضية كالدليل على ما في أول السورة من الإجمال ، فإن قصة فرعون مشتملة على الأخذ بالبأساء والضراء ، ثم الإنعام بالرخاء والسراء ، ثم الأخذ بغتة بسبب شدة الوقوف مع الضلال بعد الكشف الشافي والبيان لما على قلوبهم من الطبع وما قادت إليه الحظوظ من الفسق ، وكأنه فصلها عن القصص الماضية تنويها بذكرها وتنبيها على عليّ قدرها ، لأن معجزات صاحبها أعظم من معجزات من كان قبله ، وجهل من عالجهم كان أعظم وأفحش من جهل تلك الأمم ، ولذلك عطفها بأداة البعد مع قرب زمنها من التي قبلها إشارة إلى بعد رتبتها بما فيها من
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
