(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) ولا ريب في أن زمان الكل لم يكن متحدا إلا بتأويل جميع الأيام المتعلقة بالوقعة من سير وقتال وغير ذلك ـ والله أعلم ، وعبر في قصة نوح عليهالسلام ب (أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) [الأعراف : ٥٩] ثم نسق من بعده عليه فقيل : (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً) [الأعراف : ٦٥] (وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً) [الأعراف : ٧٣] (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً) [الأعراف : ٨٥] وعدل عن هذا الأسلوب في قصة لوط فلم يقل : وإلى أهل أدوما أخاهم لوطا ، أو إلى أهل سدوم لوطا أو وأرسلنا لوطا إلى قومه ونحو ذلك كما سيأتي في قصة موسى عليهالسلام ، لأن من أعظم المقاصد بسياق هذه القصص تسلية النبي صلىاللهعليهوسلم ، في مخالفة قومه له وعدم استجابتهم وشدة أذاهم وإنذار قومه أن يحل بهم ما حل بهذه الأمم من العذاب ، وقصص من عدا قوم لوط مشابهة لقصة قريش في الشرك بالله والأذى لعباده المؤمنين ، وأما قصة قوم لوط فزائدة عن ذلك بأمر فظيع عظيم الشناعة شديد العار والفحش فعدل عن ذلك النسق تنبيها عليه تهويلا للامر وتبشيعا له ، ليكون في التسلية أشد ، وفي استدعاء الحمد والشكر أتم ، وحينئذ يترجح أن يكون العامل (اذكر) لا (أرسلنا) أي واذكر لوطا وما حصل عليه من قومه زيادة على شركهم من رؤيته فيهم هذا الأمر الذي لم يبق للشناعة موضعا ، فالقصة في الحقيقة تسلية وتذكير بنعمة معافاة العرب من مثل هذا الحال وإنذار لهم سوء المآل مع ما شاركت فيه أخواتها من الدلالة على سوء جبلة هؤلاء القوم وشرارة جوهرهم المقتضي لتفردهم عن أهل الأرض بذلك الأمر الفاحش ، والدليل على أنه أشنع الشنع بعد الشرك ـ مع ما جعل الله تعالى في كل طبع سليم من النفرة عنه ـ اختصاصه بمشاركته للشرك في أنه لم يحل في ملة من الملل في وقت من الأوقات ولا مع وصف من الأوصاف ، وبقية المحرمات ليست كذلك ، فأما قتل النفوس فقد حل في القصاص والجهاد وغير ذلك ، والوطء في القبل لم يحرم إلا بقيد كونه زنى ، ولو لا الوصف لحل ، وأكل المال الأصل فيه الحل ، وما حرم إلا بقيد كونه بالباطل ـ وكذا غير ذلك ؛ قال أبو حيان : ولما كان هذا الفعل معهودا قبحه ومركوزا في العقول فحشه ، أتى معرفا ـ أي في قوله بعد إنكاره عليهم وتقريعه وتوبيخه لهم : (أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ) أي أتفعلون السيئة المتمادية في القبح وإن كان بينكم وبينها مسافة بعيدة ـ أو تكون «أل» فيه للجنس على سبيل المبالغة ، كأنه لشدة قبحه جعل جميع الفواحش ولبعد العرب عن ذلك البعد التام ، وذلك بخلاف الزنى فإنه قال فيه (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً) [الإسراء : ٣٢].
ولما كان غير مستبعد على صفاقة وجوههم ووقاحتهم أن يقولوا : لم تكون فعلتنا
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
