ثم استأنف الإخبار عن قوله ـ كما مضى في هود عليهالسلام فقال : (قالَ يا قَوْمِ) مستعطفا لهم بالتذكير بالقرابة وعاطف النسابة (اعْبُدُوا اللهَ) أي الذي لا كمال إلا له (ما لَكُمْ) وأكد النفي بقوله : (مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ.)
ولما دل على صدقه في ذلك أنهم دعوا أوثانهم فلم تجبهم ، ودعا هو صلىاللهعليهوسلم ربه سبحانه فأخرج لهم الناقة ، علل صحة ما دعا إليه بقوله : (قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ) أي آية ظاهرة جدا على صدقي في ادعاء رسالتي وصحة ما أمرتكم به ، وزادهم رغبة بقوله : (مِنْ رَبِّكُمْ) أي الذي لم يزل محسنا إليكم ؛ ثم استأنف بيانها بقوله : (هذِهِ) مشيرا إليها بعد تكوينها تحقيقا لها وتعظيما لشأنها وشأنه في عظيم خلقها وسرعة تكوينها لأجله.
ولما أشار إليها ، سماها فقال : (ناقَةُ اللهِ) شرفها بالإضافة إلى الاسم الأعظم ، ودل على تخصيصها بهم بقوله : (لَكُمْ) حال كونها (آيَةً) أي لمن شاهدها ولمن سمع بها وصح عنده أمرها ؛ ثم سبب عن ذلك قوله : (فَذَرُوها) أي اتركوها ولو على أدنى وجوه الترك (تَأْكُلْ) أي من النبات و (فِي أَرْضِ اللهِ) أي مما أنبت الله الذي له كل شيء وهي ناقته كما أن الأرض كلها مطلقا أرضه والنبات رزقه ، ولذلك أظهر لئلا يختص أكلها بأرض دون أخرى.
ولما أمرهم بتركها لذلك ، أكد الأمر بنهيهم عن أذاها فقال : (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ) فضلا عما بعد المس (فَيَأْخُذَكُمْ) أي أخذ قهر بسبب ذلك المس وعقبه (عَذابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلم.
ولما أمرهم ونهاهم ، ذكر لهم ترغيبا مشيرا إلى ترهيب فقال : (وَاذْكُرُوا) أي نعمة الله عليكم (إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ) أي فيما أنتم فيه (مِنْ بَعْدِ عادٍ) أي إهلاكهم (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) أي جعل لكم في جنسها مساكن تبوءون أي ترجعون إليها وقت راحتكم ، سهل عليكم من عملها في أي أرض أردتم ما لم يسهله على غيركم ، ولهذا فسر المراد بقوله : (تَتَّخِذُونَ) أي بما لكم من الصنائع (مِنْ سُهُولِها قُصُوراً) أي أبنية بالطين واللبن والآجر واسعة عالية حسنة يقصر أمل الآمل ونظر الناظر عليها مما فيها من المرافق والمحاسن (وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ) أي أيّ جبل أردتم تقدرونها (بُيُوتاً).
ولما ذكرهم بهذه النعم مرغبا مرهبا ، كرر ذلك إشارة وعبارة فقال مسببا عما ذكرهم به : (فَاذْكُرُوا) أي ذكر إذعان ورغبة ورهبة (آلاءَ) أي نعم (اللهِ) أي الذي له صفات الكمال فلا حاجة به إلى أحد ، فإحسانه هو الإحسان في الحقيقة (وَلا تَعْثَوْا فِي
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
