المستجمع لصفات الكمال ، وبركته في أموالكم وجميع أحوالكم وإبقائه عليكم نظره إليكم الموجب لعفوه الذي هو ثمرة اتباع أمره (خَيْرٌ لَكُمْ) مما تظنونه زيادة بالنقص والظلم ، وذلك أن بقية الشيء ما فضل منه ، وتكون أيضا بمعنى البقيا ، من أبقى عليه يبقي إبقاء ، واستبقيت فلانا ـ إذا عفوت عن ذنبه ، كأن ذلك الذنب أوجب فناء وده أو فناه عندك ، فإذا استبقيته فقد تركت ما كان وجب ، ويقولون : أراك تبقي هذا ببصرك ـ إذا كان ينظر إليه ـ قاله الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع ، وسيأتي في آخر السورة بيان ما تدور عليه المادة.
ولما كانت خيرية ما يبقيه العدل من الظهور بمحل لا يخفى على ذي لب ، تركها وبين شرطها بقوله : (إِنْ كُنْتُمْ) أي جبلة وطبعا (مُؤْمِنِينَ) أي راسخين في الإيمان إشارة إلى أن خيريتها لغير المؤمن مبنية على غير أساس ، فهي غير مجدية إلا في الدنيا ، فهي عدم السرعة الزوال والنزوح عنها والارتحال ، ودلت الواو العاطفة على غير مذكور أن المعنى : فآمنوا فاعلين ما أمرتكم به لتظفروا بالخير فإنما أنا نذير (وَما أَنَا) وقدم ما يتوهمونه من قصده للاستعلاء نافيا له فقال : (عَلَيْكُمْ) وأعرق في النفي فقال : (بِحَفِيظٍ) أعلم جميع أعمالكم وأحوالكم وأقدر على كفكم عما يكون منها فسادا ؛ وأصل البقية ترك شيء من شيء قد مضى.
ولما كان حاصل ما دعاهم إليه ترك ما كان عليه آباؤهم من السفه في حق الخالق بالشرك والخلائق بالخيانة ، وكان ذلك الترك عندهم قطيعة وسفها ، كان ذلك محكا للعقول ومحزا للآراء يعرف به نافذها من جامدها ، فكان كأنه قيل : ما قالوا؟ فقيل : (قالُوا يا شُعَيْبُ) سموه باسمه جفاء وغلظة وأنكروا عليه مستهزئين بصلاته (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ) أي تفعل معك فعل من كان يأمر دائما بتكليفنا (أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ) أي على سبيل المواظبة (آباؤُنا أَوْ) نترك (أَنْ نَفْعَلَ) أي دائما (فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا) من قطع الدرهم والدينار وإفساد المعاملة والمقامرة ونحوها مما يكون إفسادا للمال ، يعنون أن ما تأمرنا به لا يمشي على منهاج العقل ، فما يأمرك به إلا ما نراك تفعله من هذا الشيء الذي تسميه صلاة ، أي أنه من وادي : فعلك للصلاة ؛ ومادة صلا ـ واوية ويائية مهموزة وغير مهموزة بجميع تقاليبها ـ تدور على الوصلة ، فالصلاة لصلة العبد بربه ، وكذا الدعاء والاستغفار ، وصلوات اليهود : كنائسهم اللاتي تجمعهم ، والصلا : وسط الظهر ومجمعه وما حول الذنب أيضا ، والمصلى من الخيل : التابع للسابق ، وصال الفحل ـ إذا حمل على العانة ، ولصوت الرجل ولصيته : عبته ، كأنك ألصقت به العيب ، والواصلة واضحة في ذلك ، وكأنها الحقيقة التي تفرعت منها جميع معاني المادة ، وسيأتي شرح ذلك عند
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
