وذكر شرط المغفرة بقوله مشيرا بأداة البعد إلى عظيم المنزلة : (ثُمَّ تُوبُوا) أي ارجعوا بجميع قلوبكم (إِلَيْهِ) ثم علل ذلك بلطفه وعطفه ترغيبا في الإقبال إليه فقال مؤكدا لأن من يرى إمهاله للعصاة يظن الظنون ومن عصاه كان عمله عمل من ينكر قربه وإجابته : (إِنَّ رَبِّي) الذي أخلصت له العبادة لإحسانه إليّ وأدعوكم إلى الإخلاص له لإحسانه إليكم (قَرِيبٌ) من كل من أقبل إليه من غير حاجة إلى معاناة مشي ولا حركة جارحة (مُجِيبٌ) لكل من ناداه لا كمعبوداتكم في الأمرين معا.
ولما دعاهم إلى الحق ونصب لهم عليه من الأدلة ما هم به معترفون وذكرهم نعمه مومئا إلى التحذير من نقمه ، وسهل لهم طريق الوصول إليه ، ما كان جوابهم إلا أن سلخوه من طور البشرية لمحض التقليد ، فلذلك استأنف الإخبار عن جوابهم بقوله : (قالُوا) أي ثمود (يا صالِحُ) نادوه باسمه قلة أدب منهم وجفاء (قَدْ كُنْتَ فِينا) أي فيما بيننا إذا تذاكرنا أمرك (مَرْجُوًّا) أي في حيز من يصح أن يرجى أن يكون فيه خير وسؤدد ورشد وصلاح ، واستغرقوا الزمان فحذفوا الجار وقالوا : (قَبْلَ هذا) أي الذي دعوتنا إليه فأما بعد هذا فانسلخت من هذا العداد ؛ ثم بينوا ما أوجب سقوطه عندهم بقولهم منكرين إنكار محترق (أَتَنْهانا) أي مطلق نهي (أَنْ نَعْبُدَ) أي دائما (ما يَعْبُدُ آباؤُنا) وعبروا بصيغة المضارع تصويرا للحال كأن آباءهم موجودون فلا تمكن مخالفتهم إجلالا لهم ، فأجلوا من يرونه سببا قريبا في وجودهم ولم يهابوا من أوجدهم وآباءهم أولا من الأرض وثانيا من النطف ، ثم خولهم فيما هم فيه ، ثم فزعوا ـ في أصل الدين بعد ذكر الحامل لهم على الكفر المانع لهم من تركه ـ إلى البهت بأن ما يوجب القطع لكل عاقل من آيته الباهرة لم يؤثر عندهم إلا ما هو دون الظن في ترك إجابته ، فقالوا مؤكدين لأن شكهم حقيق بأن ينكر لأنه في أمر واضح جدا لا يحتمل الشك أصلا : (وَإِنَّنا لَفِي شَكٍ) وزادوا التأكيد بالنون واللام وبالإشارة بالظرف إلى إحاطة الشك بهم (مِمَّا) ولما كان الداعي واحدا وهو صالح عليهالسلام لم يلحق بالفعل غير نون واحدة هي ضميرهم بخلاف ما في سورة إبراهيم عليهالسلام فلذلك قالوا : (تَدْعُونا إِلَيْهِ) من عبادة الله وحده (مُرِيبٍ) أي موقع في الريبة وهي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين ؛ والرجاء : تعلق النفس لمجيء الخير على جهة الظن ، ونظيره الأمل والطمع ؛ والنهي : المنع من الفعل بصيغة لا تفعل.
(قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
