المؤذنة بأن الأول سبب للثاني أي الواو في قولهم : (وَما نَحْنُ لَكَ) أي خاصة ، وأغرقوا في النفي فقالوا : (بِمُؤْمِنِينَ) ـ دليل على أنهم تركوا إتباعه عنادا ، لا أنهم يعتقدون أنه لم يأت ببينة ؛ وإلى ذلك يرشد أيضا تعبيرهم بالاسمية التي تدل على الثبات فإذا نفي لم ينتف الأصل ؛ والبينة : الحجة الواضحة في الفصل بين الحق والباطل ، والبيان : فصل المعنى من غيره حتى يظهر للنفس محررا مما سواه ، والحامل على ترك البينة بعد ظهورها صد الشبهة عنها أو تقليد الرؤساء في دفعها واتهام موردها أو اعتقاد أصول فاسدة تدعو إلى جحدها أو العناد للحسد ونحوه ، والجامع له كله وجود الشبهة.
ولما قالوا هذا الكلام البين الفساد من غير تعرض لنقض ما قال لهم بنوع شبهة ، كان كأنه قيل لهم : هذا الذي قلته لكم وهو لا أبين منه ولا أعدل ، افرضوا أنه ما ظهر لكم صحته فما تقولون إنه حملني عليه مع أن فيه منابذتكم وأنتم أولاد عمي وأعز الناس عليّ؟ فقالوا : (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ) أي أصابك وغشيك غشيانا التصق بك التصاق العروة بما هي فيه مع التعمد والقوة (بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ) من نحو الجنون والخبال فذاك الحامل لك على النهي عن عبادتها.
ولما كان الطبع البشري قاضيا بأن الإنسان يخشى ممن مسه بسوء وهو يتوهم أنه قادر على ضرره فلا يواجهه بما يكره ، وكان قولهم محركا للسامع إلى الاستعلام عن جوابه لهم ، استأنف سبحانه الإخبار عنه بقوله : (قالَ) نافيا لما قالوا مبينا أن آلهتهم لا شيء ضاما لهم معها ، وأكد لأنهم بحيث لا يظنون أن أحدا لا يقول ما قاله (إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ) أي الملك الأعظم ليقوم عذري عنده وعدل أدبا مع الله عن أن يقول : وأشهدكم ـ لئلا يتوهم تسوية ـ إلى صيغة الأمر تهاونا بهم فقال : (وَاشْهَدُوا) أي أنتم لتقويم الحجة عليكم لأيكم ويبين عجزكم ويعرف كل أحد أنكم بحيث يتهاون بكم وبدينكم ولا يبالي بكم ولا به (أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) وبين سفولها بقوله : (مِنْ دُونِهِ) كائنا ما كان ومن كان ، فكيف إذا لم يكن إلا جمادا (فَكِيدُونِي) حال كونكم (جَمِيعاً) أي فرادى إن شئتم أو مجتمعين أنتم وآلهتكم.
ولما كانت المعاجلة في الحرب أهول ، وكان شأنها أصعب وأخطر ، بين عظمها بأداة التراخي فقال : (ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ) والكيد : طلب الغيظ بالسر في مكر ، وهذه الآية من أعلام النبوة الواضحة لهود عليهالسلام ، فكأنه قيل : هب أن آلهتنا لا شيء ، فما حملك على الاجتراء على مخالفتنا نحن وأنت كثرتنا وقوتنا وأنت لا تزيد على أن تكون واحدا منا فقال : (إِنِّي) أي جسرت على ذلك لأني (تَوَكَّلْتُ) معتمدا (عَلَى اللهِ) الملك المرهوب عقابه الذي لا ملك سواه ولا رب غيره ؛ وبين إحاطة ملكه بقوله :
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
