الفرق ما لا يخفى ، فالمخلوف في الثاني لم يذكر ، فكأنه قيل : جعلكم خلفاء لمن كان قبلكم في هذه الأرض التي أنتم بها ، وخص قوم نوح وعاد بالذكر تذكيرا بما حل بهم من العذاب ، ولهذا بعينه خص الله هذه الأمم التي وردت في القرآن بالذكر ، وإلا فقد كانت الأمم كثيرة العد زائدة على الحد عظيمة الانتشار في جميع الأقطار ، ومعلوم أن الله تعالى لم يترك واحدة منها بغير رسول (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) [الإسراء : ١٥] وفي قصة هود في سورة الأحقاف (وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) [الأحقاف : ٢١] ؛ وله سر آخر وهو أن هذه الأمم كان عند العرب كثير من أخبارهم ففصلت لهم أحوالهم ، وطوي عنهم من لم يكن عندهم شعور بهم فلم يذكروا إلا إجمالا لئلا يسارعوا إلى التكذيب بما ينزل فيهم من غير دليل شهودي يقام عليهم.
ولما ذكرهم بمطلق الإبقاء بعد ذلك الإغراق العام ، أتبعه التذكير بالزيادة فقال : (وَزادَكُمْ) أي على من قبلكم أو على من هو موجود في الأرض في زمانكم (فِي الْخَلْقِ) أي الخاص بكم (بسطة) أي في الحس بطول الأبدان والمعنى بقوة الأركان ، قيل : كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعا ، وقيل : أكثر.
ولما عظمت النعمة ، كرر عليهم التذكير فقال مسببا عن ذلك (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ) أي نعم الذي استجمع صفات العظمة التي أنعم عليكم بها من الاستخلاف والقوة وغيرهما ، واذكروا أنه لا نعمة عندكم لغيره أصلا ، فصار مستحقا لأن تخصوه بالعبادة (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي ليكون حالكم حال من يرجى فلاحه وهو ظفره بجميع مراده ، لأن الذكر موجب للشكر الموجب للزيادة.
ولما كان هذا منه موجبا ولا بد لكل سامع منصف من المبادرة إلى الإذعان لهذه الحجة القطعية ، وهي استحقاقه للافراد بالعبادة للتفرد بالإنعام ، ازداد تشوف المخاطب إلى جوابهم ، فأجيب بقوله : (قالُوا) منكرين عليه معتمدين على محض التقليد (أَجِئْتَنا) أي من عند من ادعيت أنك رسوله (لِنَعْبُدَ اللهَ) أي الملك الأعظم (وَحْدَهُ) ولما كان هذا منهم في غاية العجب المستحق للإنكار ، أتبعوه ما هو كالعلة لإنكارهم عليه ما دعاهم إليه فقالوا : (وَنَذَرَ) أي نترك على غير صفة حسنة (ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا) أي مواظبين على عبادته بما دلوا عليه ب «كان» وصيغة المضارع ـ مع الإشارة بها إلى تصوير آبائهم في حالهم ذلك ـ ليحسن في زعمهم إنكار مخالفتهم لهم.
ولما كان معنى هذا الإنكار أنا لا نعطيك ، وكان قد لوح لهم بالتذكر بقوم نوح وقوله (أَفَلا تَتَّقُونَ) إلى الأخذ إن أصروا ، سببوا عن ذلك قولهم : (فَأْتِنا) أي عاجلا (بِما تَعِدُنا) أي من العذاب بما لوح إليه إيماؤهم إلى التكذيب بقولهم : (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) وتسميتهم للانذار بالعذاب وعدا من باب الاستهزاء.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
