(لَغَفُورٌ) أي بالغ الستر للزلات والهفوات (رَحِيمٌ) أي بالغ الإكرام لم يريد ، فركبوها واستمروا سائرين فيها يقولون : بسم الله (وَهِيَ) أي والحال أنها (تَجْرِي بِهِمْ.)
ولما كان الماء مهيئا للإغراق ، فكان السير على ظهره من الخوارق ، وأشار إلى ذلك بالظرف فقال : (فِي مَوْجٍ) ونبه على علوه بقوله : (كَالْجِبالِ) أي في عظمه وتراكمه وارتفاعه ، فالجملة حال من فركبوها ، المقدر لأنه لظهوره في قوة الملفوظ ، وكان هذه الحال مع أن استدامة الركوب ركوب إشارة إلى سرعة امتلاء الأرض من الماء وصيرورته فيها أمثال الجبال عقب ركوبهم السفينة من غير كبير تراخ ، قالوا : وكان أول ما ركب معه الذرة ، وآخر ما ركب معه الحمار ، وتعلق إبليس بذنبه فلم يستطع الدخول حتى قال له نوح عليهالسلام : ادخل ولو كان الشيطان معك ـ كذا قالوا ، وقيل : إنه منع الحية والعقرب وقال : إنكما سبب الضر ، فقالا : احملنا ولك أن لا نضر أحدا ذكرك ، فمن قال (سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ* إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات : ٧٩ ـ ٨٠] لم تضراه. ولما كان ابتداء الحال في تفجر الأرض كلها عيونا وانهمار السماء انهمارا ـ مرشدا إلى أن الحال سيصير إلى ما أخبر الله به من كون الموج كالجبال لا ينجي منه إلا السبب الذي أقامه سبحانه ، تلا ذلك بأمر ابن نوح فقال عاطفا على قوله (وَقالَ ارْكَبُوا وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ) أي كنعان وهو لصلبه ـ نقله الرماني عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك (وَكانَ) أي الابن (فِي مَعْزِلٍ) أي عن أبيه في مكانه وفي دينه لأنه كان كافرا ، وبين أن ذلك المعزل كان على بعض البعد بقوله : (يا بُنَيَ) صغّره تحننا وتعطفا (ارْكَبْ) كائنا (مَعَنا) أي في السفينة لتكون من الناجين (وَلا تَكُنْ) أي بوجه من الوجوه (مَعَ الْكافِرِينَ) أي في دين ولا مكان إشارة إلى أن حرص الرسل عليهمالسلام وشفقتهم ـ وإن كانت مع رؤية الآيات العظام والأمور الهائلة ـ ليست سببا للين القلوب وخضوع النفوس ما لم يأذن الله ، انظر إلى استعطاف نوح عليهالسلام بقوله (يا بُنَيَ) مذكرا له بالبنوة مع تصغير التحنن والتراؤف وفظاظة الابن مع عدم سماحه بأن يقول : يا أبت ، ولم يلن مع ما رأى من الآيات العظام ولا تناهى لشي منها عن تقحم الجهل بدلا من العلم وتعسف الشبهة بدلا من الحجة.
ولما كان الحال حال دهش واختلال. كان السامع جديرا بأن لا يصبر بل يبادر إلى السؤال فيقول : فما قال؟ فقيل : (قالَ) قول من ليس له عقل تبعا لمراد الله (سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي) أي بعلوه (مِنَ الْماءِ) أي فلا أغرق (قالَ) أي نوح عليهالسلام (لا عاصِمَ) أي لا مانع من جبل ولا غيره موجود (الْيَوْمَ) أي لأحد (مِنْ أَمْرِ اللهِ)
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
