ودل على شدة الاهتمام بذلك بسوقه مساق الاستفهام في قوله : (أَيُّكُمْ) أي أيها العباد (أَحْسَنُ عَمَلاً) على أنه فعل هذه الأفعال الهائلة لأجل هذه الأمور التي هم لها مستهينون وبها مستهزئون ، وعلق فعل البلوى عن جملة الاستفهام لما فيه من معنى العلم لأنه طريق إليه ، روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : قال الله عزوجل : أنفق أنفق عليك ، وقال : يد الله ملأى لا تغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار ، وقال : أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يده ، وكان عرشه على الماء ،. وبيده الميزان يخفض ويرفع (١). وفي الآية حث على محاسن الأعمال والترقي دائما في مراتب الكمال من العلم الذي هو عمل القلب والعمل الظاهر الذي هو وظيفة الأركان.
ولما ثبت ـ بيده الخلق الذي هم به معترفون ـ القدرة على إعادته ، وثبت بالابتلاء أنه لا تتم الحكمة في خلق المكلفين إلا باعادتهم ليجازي كلّا من المحسن والمسيء بفعاله وأنهم ما خلقوا إلا لذلك. عجب من إنكارهم له وأكده لذلك فقال : (وَلَئِنْ قُلْتَ) أي لهؤلاء الذين ما خلقت هذا الخلق العظيم إلا لابتلائهم (إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ) أي موجودون ، بعثكم ثابت قطعا لا بد منه.
ولما كان زمن البعث بعض الزمن قال : (مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ) الذي هو غاية الابتداء (لَيَقُولَنَ) أكده دلالة على العلم بالعواقب علما من أعلام النبوة (الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ) أي ما (هذا) أي القول بالبعث (إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) أي شيء مثل السحر تخييل باطل لا حقيقة له أو خداع يصرف الناس عن الانهماك في اللذات للدخول في طاعة الأمر.
ولما كان ما تقدم عنهم من الأفعال ومضى من الأقوال مظنة لمعاجلتهم بالأخذ ، وكان الواقع أنه تعالى يعاملهم بالإمهال فضلا منه وكرما ، حكى مقالتهم في مقابلة رحمته لهم فقال : (وَلَئِنْ أَخَّرْنا) أي بما لنا من العظمة التي لا يفوتها شيء (عَنْهُمُ) أي الكفار (الْعَذابَ) أي المتوعد به (إِلى أُمَّةٍ) أي مدة من الزمان ليس فيها كدر (مَعْدُودَةٍ) أي محصورة الأيام أي قصيرة معلومة عندنا حتى تعد الأنفاس (لَيَقُولُنَ) على سبيل التكرار (ما يَحْبِسُهُ) أي العذاب عن الوقوع استعجالا له تكذيبا واستهزاء ، وهو تهديد لهم بأنه آتيهم عن قريب فليعتدوا لذلك.
ولما كان العاقل لا ينبغي أن يسأل عن مثل ذلك إلا بعد قدرته على الدفع ،
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٤٦٨٤ و ٥٣٥٢ و ٧٤١١ و ٧٤١٩ و ٧٤٩٦ وأحمد ٢ / ٤٦٤ مختصرا كلاهما من حديث أبي هريرة.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
