التباين من غير نقص ، ونظيره المطابقة ، والمجامعة نقيضها المباينة ؛ والكشف : رفع الستار ، جعل الضر كأنه مانع من إدراك الإنسان وساتر له.
ولما كثرت في هذه السورة الأوامر والنواهي والأجوبة بسبب ما يقترحونه على وجه التعنت ، وختم بأن من دعا غيره كان راسخا في الظلم لا مجير له منه ، ختم ذلك بجواب معلم بأن فائدة الطاعة ليست راجعة إلا إليهم ، وضرر النفور ليس عائدا إلا عليهم فقال تعالى : (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ) أي غاية كل من له قابلية التحرك والاضطراب (قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُ) أي الكامل بهذا الرسول صلىاللهعليهوسلم وهذا الكتاب ، وذلكم خير عظيم أصابكم الله به ، وزاد الرغبة فيه بقوله : (مِنْ رَبِّكُمْ) أي المحسن إليكم (فَمَنِ) أي فتسبب عن ذلك أنه من (اهْتَدى) أي آمن بمحمد صلىاللهعليهوسلم وعمل بما في الكتاب (فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) أي لأنه تبع الحق الثابت وترك الباطل الزائل فأنقذ نفسه من النار وأوجب لها الجنة (وَمَنْ ضَلَ) أي كفر بهما أو بشيء منهما (فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها) لأنه ترك الباقي وتمسك بما ليس في يده منه شيء لأنه فان فقد غر نفسه (وَما أَنَا) ولما كان السياق لنفي تصرفه فيهم وأن ذلك إنما هو إلى الله تعالى ، كان تقديم ضميرهم أهم فقال : (عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) فيطلب مني حفظكم مما يؤدي إلى الهلاك ومنعه عنكم كما يطلب من الوكيل.
ولما كان أكثر ذلك وعظا لهم وتذكيرا ختمه بأمره صلىاللهعليهوسلم بما يفعله في خاصة نفسه أجابوا أو لمن يجيبوا ، فقال عطفا على قوله (قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ : وَاتَّبِعْ) أي بجميع جهدك (ما يُوحى إِلَيْكَ) وبناه للمفعول لأن ذلك كان بعد أن تقررت عصمته صلىاللهعليهوسلم وعلم أن كل ما يأتيه من عند الله ، فكان ذلك أمكن في أمره باتباع كل ما يأتيه منه سبحانه وفي الإيذان بأنه لا ينطق عن الهوى (وَاصْبِرْ) في تبليغ الرسالة على ما أصابك في ذلك من عظيم الضرر وبليغ الخطر من ضلال من لم يهتد وإعراضه وجفوته وأذاه (حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ) أي الملك الأعظم بين من ضل من أمتك ومن اهتدى (وَهُوَ) أي وحده (خَيْرُ الْحاكِمِينَ) لأنه يوقع الحكم في أولى مواقعه وأحقها وأحسنها وأعدلها ، وهو المطلع على السرائر فاعمل أنت بما تؤمر به وبشر وأنذر وأخبر وادع إلى الله بجميع ما أمرك به واترك المدعوين حتى يأمرك فيهم بأمره ؛ قال الزمخشري : وروي أنها لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله صلىاللهعليهوسلم الأنصار فقال : إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني (١) وتبعه على ذلك أبو حيان وغيره ، فإن صح فالسر فيه ـ والله أعلم ـ أنه لما
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٣١٦٣ و ٣٧٩٤ و ٢٣٧٦ والنسائي في الكبرى ٨٣٣٥ وابن حبان ٧٢٧٥ والطيالسي ١٩٦٩ وأبو يعلى ٣٦٤٩ والحاكم ٤ / ٧٩ وأحمد ٣ / ٢٢٤ و ١١١ و ١٨٢ و ١٧١ من حديث أنس.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
