كان معنى «لو لا» النفي ، كان التقدير : لكن لم تؤمن قرية منهم إلّا عند صدم العذاب كما فعل فرعون ، لو آمن عند رؤية البحر على حال الفلق أو عند توسطه وقبل انسيابه عليه قبل ، ولكنه ما آمن إلّا بعد انهماره ومسه. وذلك حين لا ينفع لفوات شرطه من الإيمان بالغيب (إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ) فإنهم آمنوا عند المخايل وقت بقاء التكليف فنفعهم ذلك فإنهم (لَمَّا آمَنُوا) ودل على أنه قد كان أظلهم بقوله : (كَشَفْنا) أي بعظمتنا (عَنْهُمْ) أي حين إيمانهم ، روي أنه لم يبق بينهم وبين العذاب إلّا قدر ميل (عَذابَ الْخِزْيِ) أي الذي كان يوجب لهم لو برك عليهم هوان الدارين (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) أي فلم يأخذهم وقت رؤيتهم له (وَمَتَّعْناهُمْ) أي تمتيعا عظيما (إِلى حِينٍ) وهو انقضاء آجالهم مفرقة كل واحد منهم في وقته المضروب له ، وما ذكرته في معنى الآية نقله القاضي أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي في تفسيره المسند عن ابن أبي عمر قال : قال سفيان الثوري : (فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ) قال : فلم تكن قرية آمنت ، وهذا تفسير معنى الكلام ، وأما «لو لا» فهو بمعنى هلا ، وهي على وجوه تحضيض وتأنيث ، أي توبيخ ، وهي هنا للتوبيخ. ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى «لو لا» ، ويلزم كلا من المعنيين النفي ؛ والنفع : إيجاب اللذة بفعلها أو ما يؤدي إليها كالدواء الكريه المؤدي إلى اللذة ؛ والخزي هو أن يفضح صاحبه ، وهو وضع من القدر للغم الذي يلحق به ، وأصله التعب.
ولما كان ما مضى ربما أوجب اعتقاد أن إيمان مثل أولئك محال جاءت هذه الآية في مقام الاحتراس منه مع البيان لأن حرص الرسول صلىاللهعليهوسلم على إيمانهم لا ينفع ومبالغته في إزالة الشبهات وتقرير الدلائل لا تفيد إلّا بمشيئة الله تعالى لتوفيقهم وهدايتهم ، ولو كان ذلك وحده كافيا لآمنوا بهذه السورة فإنها أزالت شبهاتهم وبينت ضلالاتهم وحققت بقصتي نوح وموسى عليهماالسلام ضعفهم ووهن مدافعاتهم فقال تعالى : (وَلَوْ شاءَ) أي إيمان الناس (رَبُّكَ) أي المحسن إليك بإقبال من أقبل لعلمه الخير فيه وإدبار من أدبر لعدم قابليته للخير (لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ) من الكفار.
ولما كان هذا ظاهرا في الكل ، صرح به مؤكدا لأن المقام يقتضيه فقال : (كُلُّهُمْ جَمِيعاً) أي مجتمعين في آن واحد لا يختلفون في شيء منه ، ولكن لم يشأ ذلك وأنت لحرصك على امتثال أوامري ووصيتي لك باللطف بخلقي الموافق لما جبلتك عليه من الخير تريد ذلك (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) أي الذين لم يرد الله إيمانهم مع ما طبعهم عليه من الاضطراب (حَتَّى يَكُونُوا) أي كونا جبليا (مُؤْمِنِينَ) أي راسخين في الإيمان ، وإيلاء الاستفهام الاسم مقدما على الفعل للإعلام بأن الفعل ـ وهو هنا الإكراه ـ ممكن من غير ذلك الاسم وهو هنا الله وحده القادر على تحويل الطباع فإن قدرته قاهرة لكل شيء
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
