لكل فرد ، فهو أنص من نفي المصدر ، ولم يصف الملأ من قومه هنا بالذين كفروا ووصفهم بذلك في سورة هود ، إما لأنها صفة ذم لم يقصد بها التقييد فلا يختل المعنى بإثباتها ولا نفيها ، أو لأنهم أجابوه بذلك مرتين : إحداهما قبل أن يسلم أحد من أشرافهم ، والثانية بعد أن أسلم بعضهم.
ولما نفى ما رموه به على هذا الوجه البليغ ، أثبت له ضده بأشرف ما يكون من صفات الخلق ، فقال مستدركا ـ بعد نفي الضلال ـ إثبات ملزوم ضده : (وَلكِنِّي رَسُولٌ) أي إليكم بما أمرتكم به فأنا على أقوم طريق (مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) أي المحسن إليهم بإرسال الرسل لهدايتهم بإنقاذهم من الضلال ، فرد الأمر عليهم بألطف إشارة ؛ ثم استأنف الإخبار عن وظيفته بيانا لرسالته فقال : (أُبَلِّغُكُمْ) وكأن أبواب كفرهم كانت كثيرة فجمع باعتبارها أو باعتبار تعدد معجزاته أو تعدد نوبات الوحي في الأزمان المتطاولة والمعاني المختلفة ، أو أنه جمع له ما أرسل به من قبله كإدريس جده وهو ثلاثون صحيفة وشيث وهو خمسون صحيفة عليهماالسلام فقال : (رِسالاتِ رَبِّي) أي المحسن إليّ من الأوامر والنواهي وجميع أنواع التكاليف من أحوال الآخرة وغيرها ، لا أزيد فيها أنقص منها كما هو شأن كل رسول مطيع.
ولما كان الضلال من صفات الفعل ، اكتفى بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث في قوله : (وَأَنْصَحُ) وقصر الفعل ودل على تخصيص النصح بهم ومحضه لهم فقال : (لَكُمْ) والنصيحة : الإرشاد إلى المصلحة مح خلوص النية من شوائب المكروه ، ولما كان الضلال من الجهل قال : (وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ) أي من صفات الذي له صفات الكمال وسائر شؤونه (ما لا تَعْلَمُونَ) أي من عظيم أخذه لمن يعصيه وغير ذلك مما ليس لكم قابلية لعلمه بغير سفارتي فخذوه عني تصيروا علماء ، ولا تتركوه بنسبتي إلى الضلال وتزدادوا ضلالا.
ولما كان الحامل لهم على هذا مجرد استبعاد أن يختص عنهم بفضيلة وهو منهم كما سيأتي في غير هذه السورة ، أنكر ذلك عليهم بقوله : (أَوَعَجِبْتُمْ) أي أكذبتم وعجبتم (أَنْ جاءَكُمْ) وضمن جاء معنى أنزل ، فلذلك جعلت صلته «على» فقال : (ذِكْرٌ) أي رسالة (مِنْ رَبِّكُمْ) أي المحسن إليكم بالإيجاد والتربية منزلا (عَلى رَجُلٍ) أي كامل في الرجولية وهو مع ذلك بحيث لا تتهمونه فإنه (مِنْكُمْ) لقولكم : (ما سَمِعْنا بِهذا) أي إرسال البشر (فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) [المؤمنون : ٢٤] (لِيُنْذِرَكُمْ) لتحذروا ما ينذركموه (وَلِتَتَّقُوا) أي تجعلوا بينكم وبين ما تحذرونه وقاية لعلكم تنجون (وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي وليكون حالكم إذا لقيتم الله حال من ترجى رحمته بأن يرفعه الله في الدارين.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
