تكون أعلى ويعرفوا أن من عصى الملك أخذ وإن كان أقوى الناس وأكثرهم جنودا ، وقد ادعى بعض الملحدين إيمانه بهذه الآية إرادة لما يعيذ الله منه من حل العقد الواجب من أن فرعون من أكفر الكفرة بإجماع أهل الملل ليهون للناس الاجتراء على المعاصي ، وادعى أنه لا نص في القرآن على أنه من أهل النار وضل عن الصرائح التي في القرآن في ذلك في غير موضع وعن أن قوله تعالى : (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ) [يونس : ٨٣] مع قوله تعالى : (وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ) [غافر : ٤٣] قياس قطعي الدلالة بديهي النص على أنه من أهل النار ، والآية ـ كما ترى ـ دليل على قوله : (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً) ـ الآية ، لو كان فرعون مثل قريش ، فكيف ولا نسبة لهم منه في شدة الاستكبار التابعة لكثرة الجموع ونفوذ الكلمة بضخامة الملك وعز السلطان والقوة بالأموال والأعوان ، وقد روي أن جبريل عليهالسلام كان أتاه بفتيا في عبد نشأ في نعمة سيده فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه ، فكتب فرعون جزاء العبد الخارج عن طاعة سيده الكافر نعماءه أن يغرق في البحر ، فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل عليهالسلام خطه فعرفه.
ولما لم يعمل فرعون وآله بمقتضى ما رأوا من الآيات ، كان حكمهم حكم الغافلين عنها ، فكان التقدير : ولقد غفلوا عما جاءهم من الآيات (وَإِنَّ كَثِيراً) أكده لأن مثله ينبغي ـ لبعده عن الصواب ـ أن لا يصدق أن أحدا يقع فيه (مِنَ النَّاسِ) أي وهم من لم يصل إلى حد أول أسنان أهل الإيمان لما عندهم من النوس ـ وهو الاضطراب ـ والأنس بأنفسهم (عَنْ آياتِنا) أي على ما لها من العظمة (لَغافِلُونَ) والإصلاح : تقويم العمل على ما ينفع بدلا مما يضر ؛ وإحقاق الحق : إظهاره وتمكينه بالدلائل الواضحة حتى يرجع الطاعن عنه حسيرا والمناصب له مفلولا ؛ والإسراف : الإبعاد في مجاوزة الحق ؛ والفتنة : البلية ، وهي معاملة تظهر الأمور الباطنة ؛ والنجاة : الخلاص مما فيه المخافة ، ونظيرها السلامة ، وعلقوا النجاة بالرحمة لأنها إنعام على المحتاج بما تطلع إليه نفوس العباد ، فهو على أوكد ما يكون من الدعاء إلى الصلاح ؛ والوحي : إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء ، والإيحاء والإيماء والإشارة نظائر ، ولا يجوز أن تطلق الصفة بالوحي إلا لنبي ؛ وتبوأ : اتخذ ، وأصله الرجوع ، فالمتبوأ : المنزل ، لأنه يرجع إليه للمقام فيه : والطمس : محو الأثر فهو تغير إلى الدثور والدروس ؛ والإجابة : موافقة الدعوة فيما طلب بها لوقوعها على تلك الصفة ؛ والدعوة : طلب الفعل بصيغة الأمر ، وقد تكون بالماضي ؛ والمجاوزة : الخروج عن الحد من إحدى الجهات ؛ والبحر : مستقر الماء الواسع بحيث لا يدرك طرفيه من كان في وسطه ،
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
