عن الآيات ليس من خواص هذه الأمة بل هي عادة الأمم السالفة ، وعلى أن النعم خاصة بالشاكرين ، ولذا كانت النقم مقصورة على الكافرين ، فقال تعالى : (لَقَدْ أَرْسَلْنا) أي بعظمتنا ، وافتتحه بحرف التوقع لما للسامع الفطن من التشوف إلى ذكر ما تكرر من الإشارة إليه ، ولأن اللام المجاب بها القسم المحذوف لا ينطقون بها غالبا إلا مقترنة بقد ، لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تأكيدا للجملة المقسم عليها التي هي جوابها فكانت مظنة بمعنى التوقع الذي هو معنى «قد» عند استماع المخاطب كلمة القسم (نُوحاً) يعني ابن لمك بن متوشلخ بن خنوخ ، وهو إدريس عليهالسلام ، وكان عند الإرسال ابن خمسين سنة.
ولما كان إرساله صلىاللهعليهوسلم قبل تفرق القبائل باختلاف اللغات قال : (إِلى قَوْمِهِ) أي الذين كانوا ملء الأرض كما في حديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما عن أنس رضي الله عنه : ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض. وفيهم من القوة على القيام بما يريدون ما لا يخفى على من تأمل آثارهم وعرف أخبارهم ، فإن كانت آثارهم فقد حصل المراد ، وإن كانت لمن بعدهم علم ـ بحكم قياس الاستقراء ـ أنهم أقوى على مثلها وأعلى منها ، ولسوق ذلك دليلا على ما ذكر جاء مجردا عن أدوات العطف ، وهو مع ذلك كله منبه على أن جميع الرسل متطابقون على الدعوة إلى ما دل عليه برهان (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) [الأعراف : ٥٤] من التوحيد والصلاح إلى غير ذلك من بحور الدلائل والحجاج المتلاطمة الأمواج ـ والله الهادي إلى سبيل الرشاد ، وكون نوح عليهالسلام رسولا إلى جميع أهل الأرض ـ لأنهم قومه لوحدة لسانهم ـ لا يقدح في تخصيص نبينا صلىاللهعليهوسلم بعموم الرسالة ، لأن معنى العموم إرساله إلى جميع الأقوام المختلفة باختلاف الألسن وإلى جميع من ينوس من الإنس والجن والملائكة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الصافات لهذا مزيد بيان.
ولما كان من المقاصد العظيمة الإعلام بأن الذي دعا إليه هذا الرسول لم تزل الرسل ـ على جميعهم أفضل الصلاة والسّلام والتحية والإكرام ـ تدعو إليه ، وكان نوح أول رسول ذكرت رسالته عقب ذكر إرساله بذكر ما أرسل به بالفاء بقوله : (فَقالَ يا قَوْمِ) أي فتحبب إليهم بهذه الإضافة (اعْبُدُوا اللهَ) أي الذي له جميع العظمة من الخلق والأمر ، فإنه مستحق لذلك وقد كلف عباده به.
ولما كان المقصود إفراده بذلك ، علله بقوله مؤكدا له بإثبات الجار : (ما لَكُمْ) وأغرق في النفي فقال : (مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) ثم قال معللا أو مستأنفا مخوفا مؤكدا لأجل تكذيبهم : (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ) في الدنيا والآخرة ، ولعله قال هنا : (عَذابَ يَوْمٍ
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
