همه مما وقع من المكروه ، من الحزن للأرض الغليظة ، ونقيضه السرور ، وهما يتعاقبان على حال الحي الذاكر للمحبوب ؛ والبشرى : الخبر الأول بما يظهر سروره في بشرة الوجه.
ولما تقدمت البشرى بنفي الخوف والحزن معا عن الأولياء ، علم أن المعنى : هذه البشرى للأولياء وأنت رأسهم فلا تخف ، فعطف عليه قوله : (وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) أي في نحو قولهم : إنهم يغلبون ، وفي تكذيبك والاستهزاء بك وتهديدك ، فإن ذلك قول يراد به تبديل كلمات الله الغني القدير ، وهيهات ذلك من الضعيف الفقير فكيف بالعلي الكبير! وإلى هذا يرشد التعليل لهذا النهي بقوله : (إِنَّ الْعِزَّةَ) أي الغلبة والقهر وتمام العظمة (لِلَّهِ) أي الملك الأعلى حال كونها (جَمِيعاً) أي فسيذلهم ويعز دينه ، والمراد بذلك التسلية عن قولهم الذي يؤذونه به.
ولما بدئت الآية بقولهم ، ختمها بالسمع له والعلم به وقصرهما عليه لأن صفات كل موصوف متلاشية بالنسبة إلى صفاته فقال : (هُوَ) أي وحده (السَّمِيعُ) أي البليغ السميع لأقوالهم (الْعَلِيمُ) أي المحيط العلم بضمائرهم وجميع أحوالهم فهو البالغ القدرة على كل شيء فيجازيهم بما تقتضيه ، وهو تعليل لتفرده بالعزة لأنه تفرد بهذين الوصفين فانتفيا عن غيره ، ومن انتفيا عنه كان دون الحيوانات العجم فأنى يكون له عزة! والعزة : قدرة على كل جبار بما لا يرام ولا يضام ، والمعنى أنه يعزك على من ناواك ، والنهي في (وَلا يَحْزُنْكَ) في اللفظ للقول وفي المعنى للسبب المؤدي إلى التأذي بالقول ، وكسرت «إن» هاهنا للاستئناف بالتذكير بما ينفي الحزن ، لا لأنها بعد القول لأنها ليست حكاية عنهم ، وقرىء بفتحها على معنى «لأن».
ولما ختمت بعموم سمعه وعلمه بعد قصر العزة عليه ، كان كأنه قيل : إن العزة لا تتم إلّا بالقدرة فأثبت اختصاصه بالملك الذي لا يكون إلّا بها ، فقال مؤكدا لما يستلزمه إشراكهم من الإنكار لمضمون هذا الكلام : (أَلا إِنَّ لِلَّهِ) أي الذي له الإحاطة الكاملة ؛ ولما كان بعض الناس قد أشركوا ببعض النجوم ، جمع فقال معبرا بأداة العقلاء تصريحا بما أفهمه التعبير سابقا بأداة غيرهم : (مَنْ فِي السَّماواتِ) أي كلها ، وابتدأ بها لأن ملكها يدل على ملك الأرض بطريق الأولى ، ثم صرح بها في قوله مؤكدا لما تقدم : (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) أي كلهم عبيده ملوكهم ومن دونهم ، نافذ فيهم تصريفه ، منقادون لما يريده ، وهو أيضا تعليل ثان لقوله (وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) أو للتفرد بالعزة ، وعبر ب «من» التي للعقلاء والمراد كل ما في الكون لأن السياق لنفي العزة عن غيره ، والعقلاء بها أجدر ،
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
