رَبِّكَ) أي المربي لكل مخلوق بعام أفضاله ولك بخاص نعمه وأشرف نواله ، وأغرق في النفي فقال : (مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ) أي وزن نملة صغيرة جدا وموضع وزنها وزمانه ؛ ولما كان «في» بموزن أهل الأرض كان تقديمها أولى فقال : (فِي الْأَرْضِ) ولما لم يدع السياق إلى الجمع ـ كما سيأتي في سبأ ـ قال اكتفاء بالمفرد الدال على الجنس : (وَلا فِي السَّماءِ) أي ما علا عن الأرض كائنا ما كان.
ولما كان ربما أدى الجمود بعض الأغبياء إلى أن يحمل المثقال على حقيقته ويجهل أن المراد به المبالغة ، قال عاطفا على الجملة من أولها وهو على الابتداء سواء رفعنا الراءين على قراءة حمزة ويعقوب أو نصبناهما عند الباقين : (وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ) أي من مثقال الذرة (وَلا أَكْبَرَ) ولما أتى بهذا الابتداء الشامل الحاصر ، أخبر عنه بقوله : (إِلَّا) أي لا شيء من ذلك إلا موجود (فِي كِتابٍ) أي جامع (مُبِينٍ) أي ظاهر في نفسه مظهر لكل ما فيه ، وسيأتي في سبأ ما يتم به هذا المكان ، وفي ذلك تهديد لهم وتثبيت له صلىاللهعليهوسلم ، ولاح بهذا أن ما بعد (أَلا) حال من الفاعل ، أي ما يفعل شيئا إلا وأنت بأعيننا فثبت أن القرآن بعلمه ، فلو افتراه أحد عليه لأمكن منه ؛ والإفاضة : الدخول في العمل على جهة الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل أخذا من فيض الإناء إذا انصب ما فيه من جوانبه ، وأفضتم : تفرقتم كتفرق الماء الذي يتصبب من الإناء ؛ والعزوب : ذهاب المعنى عن العلم ، وضده الحضور ؛ والذر : صغار النمل وهو خفيف الوزن جدا ، ومثقاله : وزنه.
ولما تقدم أنه سبحانه شامل العلم ، وعلم ـ من وضع الأحوال ما لا تسع ومن لا تسع مجرد أسمائهم الأرض في كتاب مبين أي مهما كشف منه وجد من غير خفاء ولا احتياج إلى تفتيش ـ أنه كامل القدرة بعد أن تقدم أنهم فريقان : صادق في أمره ، ومفتر عليه ، وأنه متفضل على الناس بعدم المعاجلة والتأخير إلى القيامة ، وخوّف المفتري عواقب أمره عاجلا وآجلا ، ورجّى المطيع ، كان موضع أن يقال : ليت شعري ماذا يكون تفصيل حال الفريقين في الدارين على الجزم؟ فأجيب بأن الأولياء فائزون والأعداء هالكون ليشمر كل مطيع عن ساعد جده ويبذل غاية جهده في لحاق المخلصين وتحامي جانب المفترين بقوله تعالى مؤكدا لاعتقادهم أنهم يهلكون حزب الله وإنكارهم غاية الإنكار أن يفوتوهم : (أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ) أي الذين يتولون بالطاعة من لا شيء أعز منه ولا أعظم ويتولاهم (لا خَوْفٌ) أي ثابت عال (عَلَيْهِمْ) أي من شيء يستقبلهم (وَلا هُمْ) أي بضمائرهم (يَحْزَنُونَ) أي يتجدد لهم حزن على فائت لأن قلوبهم معلقة بالله سبحانه فلا يؤثر فيهم لذلك خوف ولا حزن أثرا يقطع قلوبهم كما يعرض لغيرهم ،
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
