ووحده للتساوي فيه في الغالب (وَالْأَبْصارَ) التي تبصرون بها ما أنعم عليكم به في خلقها ثم حفظها في المدد الطوال على كثرة الآفات فيفيضها عليكم لتكمل حياتكم الحسية ببقاء الروح ، والمعنوية بوجود العلم ؛ روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : سبحان من بصر بشحم ، وأسمع بعظم ، وأنطق بلحم.
فلما سألهم عن أوضح ما هم فيه وأقربه ، نبههم على ما قبله من بدء الخلق فقال : (وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَ) من الحيوان والنبات (مِنَ الْمَيِّتِ) أي من النطفة ونحوها (وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ) أي من النطفة ونحوها مما لا ينمو (مِنَ الْحَيِ) أي فينقل من النقص إلى الكمال ؛ ثم عم فقال : (وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) أي كله التدبير العام.
ولما كانوا مقرين بالرزق وما معه من الخلق والتدبير ، أخبر عن جوابهم إذا سئلوا عنه بقوله : (فَسَيَقُولُونَ اللهُ) أي مسمى هذا الاسم الذي له الكمال كله بالحياة والقيومية بخلاف ما سيأتي من الإعادة والهداية (فَقُلْ) أي فتسبب عن ذلك أنا نقول لك : قل لهم مسببا عن جوابهم هذا الإنكار عليهم في عدم التقوى : (أَفَلا تَتَّقُونَ) أي تجعلون وقاية بينكم وبين عقابه على اعترافكم بتوحده في ربوبيته وإشراككم غيره في إلهيته ؛ ثم علل إنكار عدم تقواهم بقوله : (فَذلِكُمُ) أي العظيم الشأن (اللهُ) أي الذي له الجلال والإكرام ، فكانت هذه قدرته وأفعاله (رَبُّكُمُ) أي الموجد لكم المدبر لأموركم الذي لا إحسان عندكم لغيره (الْحَقُ) أي الثابتة ربوبيته ثباتا لا ريب فيه لاجتماع الصفات الماضية له لا لغيره لأنه لا تكون الربوبية حقيقة لمن لم تجتمع له تلك الصفات (فَما) أي فتسبب عن ذلك أن يقال لكم : ما (ذا بَعْدَ الْحَقِ) أي الذي له أكمل الثبات (إِلَّا الضَّلالُ) فإنه لا واسطة بينهما ـ بما أنبا عنه إسقاط الجار ، ولا يعدل عاقل عن الحق إلى الضلال فانّى تصرفون أنتم عن الحق إلى الضلال ؛ ولذلك سبب عنه قوله : (فَأَنَّى) أي فكيف ومن أيّ جهة (تُصْرَفُونَ) أي أنتم من صارف ما كائنا ما كان ، عن الحق إلى الضلال.
ولما كانوا جديرين عند تقريرهم بهذه الآية وإقرارهم بمضمونها بأن يقولوا : سلمنا فأسلمنا ولا نصرف عن الحق أبدا ، فلم يقولوا ، كانوا حقيقين بأن يقال لهم : حقت عليكم كلمة الله لفسقكم وزوغانكم عن الحق. فقيل : هل خصوا بذلك؟ فقيل : بل (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الحقوق العظيم (حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) أي المحسن إليك بإهلاك أعدائك : الكلمة الواحدة النافذة التي لا تردد فيها ، ومعنى الجمع في قراءة نافع وابن عامر أنه لا شيء من كلماته يناقض الكلمة التي أوجبت عذابهم ، بل كلها توافقها فالمراد واحد ، أو يكون ذلك كناية عن أن عذابهم دائم فإن كلماته لا تنفذ (عَلَى) كل
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
