الاحتباك : آخرها يدل على حذف ضده من صدرها ، وصدرها يدل على أنه حذف قبل الآخر : ولا تتركوا الإخلاص تكونوا معتدين.
ولما كان ذلك من الوفاء بحق الربوبية والقيام بحق العبودية مقتضيا للصلاح أمر بإدامته بالنهي عن ضده في قوله : (وَلا تُفْسِدُوا) أي لا تدفعوا فسادا (فِي الْأَرْضِ) أي بالشرك والظلم ، فهو منع من إيقاع ماهية الإفساد في الوجود ، وذلك يقتضي المنع من جميع أنواعه فيتناول الكليات الخمس التي اتفقت عليها الملل ، وهي الأديان والأبدان والعقول والأنساب والأموال (بَعْدَ إِصْلاحِها) والظاهر أن الإضافة بمعنى اللام وهي إضافة في المفعول ، أي لا تدنسوها بفساد بعد أن أصلحها لكم خلقا بما سوى فيها من المنافع المشار إليها بقوله (يُغْشِي اللَّيْلَ) و (النَّهارَ) [الأعراف : ٥٤] ، الدال على الوحدانية الداعي إلى الحق إقامة للأبدان ، وأمر بما أنزل من كتبه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسّلام إقامة للأديان فجمع إلى الإيجاد الأول والإبقاء الأول.
ولما كان ذلك ربما اقتضى الاقتصار بكمال التذلل على مقام الخوف ، نفى ذلك بقوله : (وَادْعُوهُ خَوْفاً) أي من عدله ؛ ولما كان لا سبب للعباد من أنفسهم في الوصول إليه سبحانه ، عبر بالطمع فقال : (وَطَمَعاً) أي في فضله ، فإن من جمع بين الخوف والرجاء كان في مقام الإحسان وكأنه مشاهد للرحمن ، ما زجره زاجر الجلال بسياط سطوته إلا دعاه داعي الجمال إلى بساط رأفته ، ومن حاز مقام الإحسان كان أهلا للرحمة (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ) أي إكرام ذي الجلال والإكرام لمن يدعوه على هذه الصفة ، وفخمها بالتذكير لإضافتها إلى غير مؤنث فيما قال سيبويه ، فقال : (قَرِيبٌ) وكان الأصل : منكم ، ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : (مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
ولما كان دوام الصلاح لا يكون إلا بالغيث ، وهو من أجلّ أنواع الرحمة ، وهو لا يكون إلا بالسحاب ، وهو لا يكون إلا بالريح ، قال تعالى عاطفا على (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ) تنبيها بعد تحقيق المبدإ على تحقيق المعاد : (وَهُوَ) أي لا غيره (الَّذِي يُرْسِلُ) أي بالتحريك (الرِّياحَ) هذا في قراءة الجماعة ، وأنواعها خمس : جنوب وشمال وصبا ودبور ونكباء ، وهي كل ريح انحرفت فوقعت بين ريحين ، ووحد ابن كثير وحمزة والكسائي على إرادة الجنس (بُشْراً) بضمتين في قراءة أهل الحجاز والبصرة ، أي منتشرة جمع نشور من النشر ، وهو بسط ما كان مطويا ، وتفريقه في كل وجه لا لذات الريح وإلا لدام ذلك منها ولا بقوة فلك أو نجم لأن نسبتها إلى الهواء واحدة (بَيْنَ يَدَيْ) أي قبل (رَحْمَتِهِ) أي المطر ، ولعله عبر فيه باليدين : اليمنى واليسرى ، لدلالته ـ
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
