قوله : (فَزَيَّلْنا) أي أزلنا إزالة كثيرة مفرقة ما كان (بَيْنَهُمْ) في الدنيا من الوصلة والألفة حتى صارت عداوة ونفرة فقال الكفار : ربنا هؤلاء الذين أضلونا ، وكنا ندعو من دونك (وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ) لهم متبرئين منهم بما خلق لهم سبحانه من النطق (ما كُنْتُمْ) أي أيها المشركون ، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم هم الذين نصبوهم بغير أمر ولا دليل ولأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم (إِيَّانا تَعْبُدُونَ) أي تخصوننا بالعبادة لأنا لا نستحق ذلك إشارة إلى أنه لا يعبد إلّا من يستحق الإخلاص في ذلك بأن يعبد وحده من غير شريك ، ومن لا يستحق ذلك لا يستحق مطلق العبادة ولا يصلح لها ، وكل عبادة فيها شرك لا تعد أصلا ولا يرضى بها جماد لو نطق ، فمتى نفي المقيد بالخلوص نفي المطلق لأنه لا اعتداد به أصلا ، ومن المعلوم أن ما كان بهذه الصفة لا يقدم عليه أحد ، فنحن نظن أنه لم يعبدنا عابد فضلا عن أن يخصنا بذلك ، والشخص يجوز له أن ينفي ما يظن نفيه ونحن لم نعلم شيئا من ذلك.
ولما نفوا ذلك عطفوا عليه مسببين عنه قولهم : (فَكَفى بِاللهِ) أي المحيط علما وقدرة (شَهِيداً) أي هو يكفينا كفاية عظيمة جدا من جهة الشهادة التي لا غيبة فيها بوجه ولا ميل أصلا (بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) في ذلك يشهد لنا وعلينا ؛ ثم استأنفوا خبرا يصحح نفيهم فقالوا مؤكدين لأنهم كانوا يعتقدون علمهم : (إِنْ) أي إنا (كُنَّا) أي كونا هو جبلة لنا (عَنْ عِبادَتِكُمْ) لنا أو لغيرنا مخلصة أو مشوبة ؛ ولما كانت «إن» هي المخففة من الثقيلة تلقيت باللام الفارقة بينها وبين النافية فقيل : (لَغافِلِينَ) لأنه لا أرواح فينا ، فلم تكن بحيث نأمر بالعبادة ولا نرضاها فاللوم عليكم دوننا ، وذلك افتداء من موقف الذل أو أنهم لما تخيلوا في الشركاء صفات عبدوها لأجلها وكانت خالية عنها صح النفي لأنهم عبدوا ذوات موصوفة بصفات لا وجود لها في الأعيان ، وأيضا فإنهم ما عبدوا إلّا الشياطين التي كانت تزين لهم ذلك وتغويهم ، ويكون التقدير على ما دل عليه السياق : (فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ) أي منعناهم مما كانوا فيه من التواصل والتواد المقتضي للتناصر بعبادة الأوثان ، فقال المشركون لشركائهم لما أبطأ عنهم نصرهم : إنا كنا نعبدكم من دون الله فأغنوا عنا كما كنا نذب عنكم وننصر دينكم (وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ) أي كشف لنا اليوم بتفهيم الله أنه ليس الأمر كما زعمتم وأنكم لم تخصونا بالعبادة حتى يلزمنا منعكم على أنكم لو خصصتمونا ما قدرنا على ذلك كما قال الشيطان (ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ) [إبراهيم : ٢٢] (فَكَفى) أي فتسبب عن نفينا لذلك على ما كشف لنا من العلم أن نقول : كفى (بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) في ذلك ، يشهد أنكم لم تخصوا أحدا منه ومنا بعبادة بل كنتم مذبذبين ، وهذا كله إشارة إلى أن العبادة
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
