بإيجاد كل من الملوين (١) بعد إعدامه في قوله ـ مؤكدا له لإنكارهم أن يكون في ذلك دلالة : (إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ) أي على تباين أوصافه (وَالنَّهارِ) أي كذلك (وَما) أي وفيما (خَلَقَ اللهُ) أي الذي له الإحاطة الكاملة (فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) من أحوال السحاب والأمطار وما يحدث من ذلك الخسف والزلازل والمعادن والنبات والحيوانات وغير ذلك من أحوال الكل التي لا يحيط البشر بإحصائها ؛ لما أشار إلى ذلك ختمها بقوله : (لَآياتٍ) أي دلالات بينة جدا (لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) أي أن من نظر في هذا الاختلاف وتأمل تغير الأجرام الكبار كان جديرا بأن يخاف من أن تغير أحواله وتضطرب أموره فيتقي الله لعلمه قطعا بأن أهل هذه الدار غير مهملين ، فلا بد لهم من أمر ونهي وثواب وعقاب ؛ والاختلاف : ذهاب كل من الشيئين في غير جهة الآخر ، فاختلاف الملوين : ذهاب هذا في جهة الضياء وذاك في جهة الظلام ؛ والليل : ظلام من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني ، وهو جمع ليلة كتمر وتمرة ؛ والنهار : اتساع الضياء من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس ؛ والخلق : فعل الشيء على ما تقتضيه الحكمة ، وأصله التقدير ؛ ونبه بما خلق في السماوات والأرض على وجوه الدلالات. لأن الدلالة في الشيء قد تكون من جهة خلقه أو اختلاف صورته أو حسن منظره أو كثرة نفعه أو عظم أمره أو غير ذلك.
ولما أشير بالآية إلى انقراض الدنيا بأن الحادث لا ثبات له ، وقام الدليل القطعي على المعاد ، ناسب تعقيبها بعيب من اطمأن إليها في سياق مبين أن سبب الطمأنينة إنكار الطمأنينة اعتقادا أو حالا ؛ ولما كانت ختم تلك ب (يَتَّقُونَ) لاح أن ثمّ من يتقي ومن لا يتقي ؛ ولما كان الغرور أكثر ، بدأ به تنفيرا عن حاله ، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح ، فقال مؤكدا لأجل إنكارهم : (إِنَّ الَّذِينَ) ولما كان الخوف والرجاء معدن السعادة ، وكان الرجاء أقرب إلى الحث على الإقبال ، قال مصرحا بالرجاء ملوحا إلى الخوف : (لا يَرْجُونَ لِقاءَنا) بالبعث بعد الموت ولا يخافون ما لنا من العظمة (وَرَضُوا) أي عوضا عن الآخرة (بِالْحَياةِ الدُّنْيا) أي فعملوا لها عمل المقيم فيها مع ما إشتملت عليه مما يدل على حقارتها (وَاطْمَأَنُّوا) إليها مع الرضى (بِها) طمأنينة من لا يزعج عنها مع ما يشاهدونه مع سرعة زوالها (وَالَّذِينَ هُمْ) أي خاصة (عَنْ آياتِنا) أي على ما لها من العظمة لا عن غيرها من الأحوال الدنيّة الفانية (غافِلُونَ) أي غريقون في الغفلة ، وتضمن قوله تعالى استئنافا : (أُولئِكَ) أي البعداء البغضاء (مَأْواهُمُ النَّارُ
__________________
(١) الملوين : الليل والنهار.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
