خالصا ينفي كل معصية صغيرة أو كبيرة وكل هفوة جليلة أو حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات (وَبَشِّرِ) أي خص (الَّذِينَ آمَنُوا) أي أوجدوا هذا الوصف وعملوا تصديقا لدعواهم له الصالحات ، أي من الأعمال اللسانية وغيرها ، بالبشارة بقبول حسناتهم وتكفير سيئاتهم والتجاوز عن هفواتهم وترفع درجاتهم كما كان إرسال الرسل قبله وكما هو مقتضى العدل في إثابة الطائع وعتاب العاصي ، والإنذار : الإعلام بما ينبغي أن يحذر منه ، والتبشير : التعريف بما فيه السرور ، وأضاف القدم ـ الذي هو السابقة بالطاعة ـ إلى الصدق في قوله تعالى موصلا لفعل البشارة إلى المبشر به دون حرف جر : (أَنَّ لَهُمْ) أي خاصة (قَدَمَ صِدْقٍ) أي أعمالا حقة ثابتة قدموها لأنفسهم صدقوا فيها وأخلصوا فيما يسّروا له لأنهم خلقوا له وكان مما يسعى إليه بالأقدام ، وزاد في البشارة بقوله : (عِنْدَ رَبِّهِمْ) ففي إضافة القدم تنبيه على أنه يجب أن يخلص له الطاعة كإخلاص الصدق من شوائب الكذب ، وفي التعبير بصفة الإحسان إشارة إلى المضاعفة.
ولما ثبت أن الرسول وما أرسل به على وفق العادة ، انتفى أن يكون عجبا من هذه الجهة ، فصار المحل قابلا لأن يتعجب منهم فيقال : ما قالوا حين أظهروا العجب؟ ومن أيّ وجه رأوه عجبا؟ فقيل : (قالَ الْكافِرُونَ) أي الراسخون في هذا الوصف منهم وتبعهم غيرهم مؤكدين لما يحق لقولهم من الإنكار (إِنَّ هذا) أي القول وما تضمنه من الإخبار بما لا يعرف من البعث وغيره (لَساحِرٌ) أي محمد لساحر ـ كما في قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي مبين* أي ظاهر في نفسه ، وهو من شدة ظهوره مظهر لكل شيء أنه كذلك ، فجاؤوا بما هو في غاية البعد عن وصفه ، فإن السحر قد تقرر لكل ذي لب أنه ـ مع كونه تمويها لا حقيقة له ـ شر محض ليس فيه شيء من الحكمة فضلا عن أن يمتطي الذروة منه مع أن في ذلك ادعاءهم أمرا متناقضا ، وهو أنه من قول البشر كما هي العادة في السحر ، وأنهم عاجزون عنه ، لأن السحر فعل تخفى الحيلة فيه حتى يتوهم الإعجاز به ، فقد اعترفوا بالعجز عنه وكذبوا في ادعاء أنه لسحر لأن الآتي به منهم لم يفارقهم قط وما خالط عالما لا بسحر ولا غيره حتى يخالطهم فيه شبهة ، فهم يعلمون أن قولهم في غاية الفساد ، فشرع سبحانه يقيم الدليل على بطلان قولهم من أنه ـ مع ما تضمنه من البعث ـ سحر ، وعلى حقيقة أنه من عنده من غير شبهة ، وعلى أن الرسالة لا عجب فيها ، لأنه سبحانه خلق الوجود كله وهو نافذ الأمر فيه وقد ابتلى من فيه من العقلاء ليردهم إليه ويحاسبهم فإنه لم يخلقهم سدى لأنه حكيم ، فلا بد من رسول يخبرهم بما يرضيه وما يغضبه لتقوم بذلك الحجة فقال : (إِنَّ رَبَّكُمُ) أي الموجد لكم
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
