كلامنا فلبثت كذلك حتى طال عليّ الأمر ، وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي عليّ النبي صلىاللهعليهوسلم أو يموت النبي صلىاللهعليهوسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليّ ، فأنزل الله عزوجل توبتنا على نبيه صلىاللهعليهوسلم حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله صلىاللهعليهوسلم عند أم سلمة رضي الله عنها ، وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية في أمري فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : يا أم سلمة! تيب على كعب ، قالت : أفلا أرسل إليه فأبشره؟ قال : إذن يحطمكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الليلة حتى إذا صلىاللهعليهوسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا ، وكان إذا استبشر استنار وجهه حتى كأنه قطعة من القمر ، وكنا ـ أيها الثلاثة الذين خلفوا ـ خلفنا عن الأمر الذي قبل من هؤلاء الذين اعتذروا حين أنزل الله لنا التوبة ، فلما ذكر الذين كذبوا رسول الله صلىاللهعليهوسلم من المتخلفين واعتذروا بالباطل ذكروا بشر ما ذكر به أحد ، قال الله عزوجل (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ)(١).
ولما كان ما نالهم من الأهوال إنما نالهم بتخلفهم عن أشرف الخلق ، والذي التفت بهم إلى مرابع (٢) الإقبال إنما هو الصدق ، قال تعالى ناهيا بصيغة الخبر ليكون أبلغ ، جامعا إليهم من كان على مثل حالهم في مطلق التخلف : (ما كانَ) أي ما صح وما انبغى بوجه من الوجوه (لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أي التي هي سكن رسول الله صلىاللهعليهوسلم وهي دار الهجرة ومعدن النصرة (وَمَنْ حَوْلَهُمْ) أي في جميع نواحي المدينة الشريفة (مِنَ الْأَعْرابِ) أي من سكان البوادي الذين أقسموا بالإسلام (أَنْ يَتَخَلَّفُوا) أي في أمر من الأمور (عَنْ رَسُولِ اللهِ) أي الملك الأعلى ، ومن شأن المرسل إليه أن لا يبرح عن جناب الرسول لا سيما وهو رأس الصادقين الذين وقع الأمر بالكون معهم (وَلا يَرْغَبُوا) أي وما كان لهم أن يرغبوا ، ولعله قللهم بصيغة القلة بالنسبة إلى من أيده به صلىاللهعليهوسلم من جنوده فقال تعالى : (بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) أي التي هي أشرف النفوس مطلقا بأن يصونوا نفوسهم عما باشره صلىاللهعليهوسلم بل يلقونها في المتالف دونه وصيانة لنفسه الشريفة عن أدنى الأذى ، فهي كالتعليل للأمر بالتقوى أي خافوا الله وأصدقوه كما صدق هؤلاء ليتوب عليكم كما تاب عليهم فإنه لم يكن لكم التخلف فهو نهي بليغ مع تقبيح وتوبيخ وإلهاب وتهييج.
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٢٧٥٧ و ٢٩٤٧ و ٤٩٤٨ و ٢٩٤٩ و ٢٩٥٠ و ٣٥٥٦ ومسلم ٢٧٢٩ وأبو داود ٢٢٠٢ و ٢٦٠٥ و ٢٧٧٣ والنسائي ٢ / ٥٣ ـ ٥٤ و ٦ / ١٥٢ ـ ١٥٤ والترمذي ٣١٠٢ وابن خزيمة ٢٢٤٢ وعبد الرزاق ١٩٧٤٤ والطبراني ١٩ / (٩٦) و (٩٧) وأحمد ٦ / ٢٩٠ من حديث أبي بن كعب.
(٢) المربع : منزل القوم في الربيع خاصة (تقول : هذه مرابعنا ومصايفنا ، أي حيث نرتبع ونصيف).
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
