الإحسان في الدين والتخلق بأخلاق السابقين ، ولعله عبر بالظن موضع العلم إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من جلاله للانقطاع إليه مجرد الظن بأنه لا سبب إليه إلا منه لأنه محيط بكل شيء لا يعجزه شيء ، ويمكن أن يكون التعبير ـ (ثُمَ) إشارة إلى عظيم ما قاسوا من الأهوال وما ترقوا إليه من مراتب الخوف ، وامتنان عليهم بالتوبة من عظيم ما ارتكبوا ، وإنما خصوا عن رفقائهم بأن أرجئوا (١) لأمر الله لعلو مقامهم بما لهم من السابقة ورسوخ القدم في الإسلام ، فالمخالفة اليسيرة منهم أعظم من الكثير من غيرهم لأنهم أئمة الهدى ومصابيح الظلم ، ومن هذا البارق ـ حسنات الأبرار سيئات المقربين ـ ثم علل التوبة بأمر يعم غيرهم ترغيبا فقال معبرا بما يشير مع أعلى مقامهم إلى نزوله عن مقام من قبلهم : (إِنَّ اللهَ) أي الذي له الكمال كله (هُوَ) أي وحده (التَّوَّابُ) أي البليغ التوبة على من تاب وإن عظم جرمه وتكررت توبته لتكرر ذنوبه (الرَّحِيمُ) أي المكرم لمن أراد من عباده بأن يحفظه على ما يرتضيه فلا يزيغ ، ويبالغ في الإنعام عليه.
ولما كان الذي نالوا به الإقبال من مولاهم عليهم ـ مما وصفهم به من الضيق وما معه ـ هو التقوى والصدق في الإيمان كما كان ما يجده الإنسان في نفسه مما الموت عنده والقذف في النار أحب إليه من التلفظ به صريح الإيمان بشهادة المصطفى صلىاللهعليهوسلم ، رغب سبحانه في الصدق فقال : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي ادعوا ذلك (اتَّقُوا اللهَ) أي خافوا سطوة من له العظمة الكاملة تصديقا لدعواكم فلا تفعلوا إلا ما يرضيه (وَكُونُوا) أي كونا صادقا بجميع الطبع والجبلة (مَعَ الصَّادِقِينَ) أي في كل أمر يطلب منهم ، ولعله أخرج الأمر مخرج العموم ليشمل كل مؤمن ، فمن كان مقصرا كانت آمرة له باللحاق ، ومن كان مسابقا كانت حاثة له على حفظ مقام الاستباق ، ولعله عبر ب (مَعَ) ليشمل أدنى الدرجات ، وهو الكون بالجثت (٢) ، وقد روى البخاري توبة كعب أحد هؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم في مواضع من صحيحه منها التفسير ، وكذا رواه غيره عن كعب نفسه رضي الله عنه أنه لم يتخلف عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم في غزوة غزاها قط غير غزوتين : غزوة العسرة ـ يعني هذه ـ وغزوة بدر ، وأن تخلفه ببدر إنما كان لأن النبي صلىاللهعليهوسلم لم يندب الناس إليها ولا حثهم عليها لأنه ما خرج أولا إلا لأجل العير ، قال : فأجمعت صدق رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، كان قل ما يقدم من سفر سافره إلا ضحى ، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين ونهى النبي صلىاللهعليهوسلم عن كلامي وكلام صاحبي ـ يعني مرارة بن الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي ـ ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا ، فاجتنب الناس
__________________
(١) أرجيت الأمر : أخّرته (يهمز ويليّن).
(٢) تقدم قبل قليل ، وانظر الآتي.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
