ولما أشار إلى أنه هو وليهم أحياهم بروح منه مبين لهم ما يصلحهم وأنه لا ولي لهم غيره ، أقام الدليل على ذلك بقوله : (لَقَدْ تابَ اللهُ) أي الذي له الجلال والإكرام (عَلَى النَّبِيِ) أي الذي لا يزال عنده من الله خبر عظيم يرشده إلى ما يؤذن بتقوية حياته برفع درجاته ، فما من مقام يرقيه إليه إلا رأى أنه لمزيد علوه وتقربه للمقام الذي كان دونه ، فهو في كل لمحة في ارتقاء من كامل إلى أكمل إلى ما لا نهاية له.
ولما أخبر تعالى بعلو رتبة النبي صلىاللهعليهوسلم بترقيته في رتب الكمالات والأكمليات إلى ما لا نهاية له على وجه هو في غاية البعث لكل مؤمن على المبادرة إلى التوبة ، أكد ذلك بقوله : (وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) بمحو هفواتهم ورفع درجاتهم (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) أي النبي صلىاللهعليهوسلم (فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ) أي أزمنة غزوة تبوك ، كانوا في عسرة من الزمان بالجدب والضيقة الشديدة والحر الشديد ، وعسرة من الظهر «يعتقب العشرة» على بعير واحد. وعسرة من الزاد «تزودوا التمر المدوّد والشعير المسوّس والإهالة الزنخة» وبلغت بهم الشدة أن اقتسم التمرة اثنان ، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء ، وفي عسرة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها ؛ وسماها ساعة تهوينا لأوقات الكروب وتشجيعا على مواقعة المكاره فإن أمدها يسير وأجرها عظيم خطير ، فكانت حالهم باتباعه في هذه الغزوة أكمل من حالهم قبلها ، وأشار سبحانه إلى تفاوتهم في الثبات على مقامات عالية ، ترقوا بالتوبة إلى أعلى منها ، وفي قبول وساوس أبعدتهم التوبة عن قبولها بقوله : (مِنْ بَعْدِ ما كادَ) أي قرب قربا عظيما (تزيغ) أي تزول عن أماكنها الموجبة لصلاحها ، وأشار ب «من» إلى تقارب ما بين كيدودة الزيغ والتدارك بالتوبة. ولما كان المقام للزلازل ، ناسب التعبير بما منه الانقلاب والفرقة فقال : (قُلُوبُ فَرِيقٍ) أي هم بحيث تحصل منهم الفرقة لما هناك من الزلازل المميلة (مِنْهُمْ) أي من عظيم ما نالهم من الشدائد فتميل لذلك عن الحق كأبي خيثمة ومن أحب الراحة وهاب السفر في ذلك الحر الشديد إلى بني الأصفر الملوك الصيد (١) الأبطال الصناديد ، وهم ملء الأرض كثرة وقدر الحصى عدة ومثل الجبال شدة ، ثم عزم الله له فلحق برسول الله صلىاللهعليهوسلم فرجع سبحانه بالجميع إلى ما كانوا عليه قبيل مقاربة الزيغ من مباعدته ، ولما صاروا كمن لم يقارب الزيغ. أعلاهم إلى مقام آخر عبر عن عظمته بأداة التراخي فقال : (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) أي كلهم تكريرا للرفعة ، أو على من كاد يزيغ بالثبات على مباعدة الزلات وبالترقي في أعالي الدرجات إلى الممات ؛ ونقل أبو حيان عن الحسن أن زيغها همها بالانصراف لما
__________________
(١) أصياد وأصايد وأصاده : آذاه وداواه من الصيد ضدّ ، والأصيد الملك ورافع رأسه كبرا والأسد كالمصطاد والصاد ا ه قاموس.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
