فقال : (السَّائِحُونَ) ولما كانت الصلاة نتيجة ذلك لكونها جامعة لعمل القلب واللسان وغيرهما من الأركان ، وهي أعظم موصل إلى بساط الأنس في حضرات القدس وأعلى مجرد عن الوقوف مع المألوف. وكان أول مراتب التواضع القيام وأوسطها الركوع وغايتها السجود ، وكان جميع أشكال الصلاة موافقا للعادة إلا الركوع والسجود ، أشار إليها بقوله مخصصا لها بالذكر تنبيها على أن المراد من الصلاة نهاية الخضوع : (الرَّاكِعُونَ) فبين أن تمام هذه البشرى لهذه الأمة أن صلاة غيرهم لا ركوع فيها ، وأتمها بقوله : (السَّاجِدُونَ) ولما كان الناصح لنفسه بتهذيب لسانه وقلبه وجميع جوارحه لا يقبل إلا إذا بذل الجهد في نصيحة غيره كما صرح به مثال السفر في السفينة ليحصل المقصود من الدين وهو جمع الكل على الله المقتضي للتعاضد والتناصر الموجب لدوام العبادة والنصرة وبذلك يتحقق التجرد عن كل مألوف مجانس وغير مجانس ، أتبع ذلك قوله : (الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) أي السنة.
ولما كان الدين متينا فلن يشاده أحد إلا غلبه ، كان المراد من المأمورات مسماها دون تمامها ومنتهاها «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١) والمراد من المنهيات تركها كلها ، ومن الحدود الوقوف عندها من غير مجاوزة «وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» (٢) رواه البخاري في الاعتصام من صحيحه ومسلم أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وكانت العرب ـ كما تقدم في البقرة عند قوله تعالى (وَالصَّلاةِ الْوُسْطى) [البقرة : ٢٣٨] وفي آل عمران عند قوله (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ) [آل عمران : ١٧] عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي ـ إذا أتبعت بعض الصفات بعضا من غير عطف علم أنها غير تامة ، فإذا عطفتها أردت التمكن فيها والعراقة والتمام ، فأعلم سبحانه أن المراد فيما تقدم من الأوصاف الإتيان بما أمكن منها ، فأتى بها اتباعا دون عطف لذلك ، وأشار إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف عند الحدود لا يقنع منه إلا بالتمام لأن المقصر في شيء من ذلك إما راض بهدم الدين وإما هادم بنفسه ، فيجب التجرد التام فيه لأن النهي أصعب أقسام العبادة لأنه متعلق بالغير وهو مثير للغضب موجب للحمية وظهور الخصومة ، فربما كان عنه ضرب وقتل ، فلذلك عطفها ولم يتبعها فقال :
__________________
(١) صحيح. أخرجه البخاري ٧٢٨٨ ومسلم ١٣٣٧ والترمذي ٢٦٧٩ والنسائي ١٥ / ١١٠ ـ ١١١ وابن ماجه ١ و ٢ وابن حبان ١٨ و ١٩ و ٣٧٠٤ و ٣٧٠٥ والديلمي ٣١٣٧ وابن خزيمة ٢٥٠٨ والبيهقي ٤ / ٣٢٦ وعبد الرزاق ٢٠٣٧٢ وأحمد ٢ / ٢٥٨ والشافعي ١ / ١٥ من حديث أبي هريرة. وصدره عند البخاري : «دعوني ما تركتكم ، إنما هلك ...». ورواية لمسلم : «ذروني ما تركتكم ...».
(٢) هو بعض المتقدم.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
