هددهم وبين خسارتهم بقوله : (نَحْنُ) أي خاصة (نَعْلَمُهُمْ) ثم استأنف جزاءهم بقوله : (سَنُعَذِّبُهُمْ) أي بوعد لا خلف فيه (مَرَّتَيْنِ) أي إحداهما برجوعك سالما وشفوف أمرك وعلو شأنه وضخامة أركانه وعز سلطانه وظهور برهانه ، فإنهم قطعوا لغباوتهم وجلافتهم وقساوتهم كما أشرت إليه بقولي (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ) ـ أنك لا ترجع هذه المرة من هذه السفرة لما يعرفون من ثباتك للأقران ، وإقدامك على الليوث الشجعان ، واقتحامك للأهوال ، إذا ضاق المجال ، ونكص الضراغمة الأبطال ، ومن عظمة الروم وقوتهم وتمكنهم وكثرتهم ، وغاب عن الأغبياء وخفي عن الأشقياء الأغنياء أن الله الذي خلقهم أعظم منهم وأكبر ، وجنوده أقوى من جنودهم وأكثر ؛ والثانية بعد وفاتك بقهر أهل الردة ومحقهم ورجوع ما أصلته بخليفتك الصديق رضي الله عنه إلى ما كان عليه في أيامك من الظهور وانتشار الضياء والنور والحكم على من خالفه بالويل والثبور ، وسيأتي أنه يمكن أن تكون المرة الثانية إخراب مسجد الضرار والإخبار بما أضمروا في شأنه من خفي الأسرار (ثُمَّ يُرَدُّونَ) أي بعد الموت (إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ) أي لا يعلم عظمه حق علمه إلا الله تعالى ، وهو العذاب الأكبر الدائم الذي لا ينفك أصلا.
ولما ذكر هذا القسم المارد الجافي ، ثنى بمقابلة اللين الصافي ، وهي الفرقة التي نجز المتاب عليها والنظر بعين الرحمة إليها فقال : (وَآخَرُونَ) أي وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة آخرون (اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) أي كلفوا أنفسهم ذكرها توبة منهم ندما وإقلاعا وعزما ولم يفزعوا إلى المعاذير الكاذبة وهم المقتصدون.
ولما كان الخلط جمعا في امتزاج ، كان بمجرد ذكره يفهم أن المخلوط امتزج بغيره ، فالإتيان بالواو في (آخَرَ) يفهم أن المعنى : (خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً) بسيىء (وَآخَرَ سَيِّئاً) بصالح ، فهو من ألطف شاهد لنوع الاحتباك ، ولعل التعبير بما أفهم ذلك إشارة إلى تساوي العملين وأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر أن يكون أصلا ، وقد فسرها النبي صلىاللهعليهوسلم بذلك في أناس رآهم في المنام شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح (١)
__________________
(١) صحيح. البخاري ١٣٨٦ و ٤٦٧٤ و ٧٠٤٧ وابن حبان ٦٥٥ والطبراني ٦٩٨٤ و ٦٩٨٦ و ٦٩٩٠ وأحمد ٥ / ٨. ٩ من حديث سمرة بن جندب مطوّلا.
قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم لنا : «أتاني الليلة آتيان ، فابتعثاني ، فانتهيا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة ، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء ، وشطر كأقبح ما أنت راء. قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر فوقعوا فيه ، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم ، فصاروا في أحسن صورة.
قالا لي : هذه جنة عدن ، وهذاك منزلك ، قالا : أما القوم الذين كانوا شطر منه حسن وشطر منهم قبيح ، فإنهم خلطوا عملا صالحا ، وآخر سيئا تجاوز الله عنهم».
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
