مُعْرِضُونَ) أي بقلوبهم ، والإعراض وصف لهم لازم لم يتجدد لهم ، بل كان غريزة فيهم ونحن عالمون بها من حين أوقعوا العهد ؛ قال أبو حيان : قال الضحاك : هم نبتل ابن الحارث وجد بن قيس ومعتب بن قشير وثعلبة بن حاطب وفيهم نزلت الآية ـ انتهى. وحسن تعقيبها بها أيضا أن في الأولى كفران نعمة الغني من غير عهد ، وفي هذه كفرانها مع العهد فهو ترق من الأدنى إلى الأعلى ، ودل على عظيم شأن العهد بتعظيم الجزاء على خيانته بقوله : (فَأَعْقَبَهُمْ) أي الله أو التمادي على البخل جزاء على ذلك (نِفاقاً) متمكنا (فِي قُلُوبِهِمْ) أي بأن لا يزالوا يقولون ما لا يفعلون (إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ) أي بالموت عند فوت الفوت (بِما أَخْلَفُوا اللهَ) أي وهو الملك الأعظم (ما وَعَدُوهُ) لأن الجزاء من جنس العمل ؛ ولما كان إخلاف الوعد شديد القباحة ، وكان مرتكبه غير متحاش من مطلق الكذب ، قال : (وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ) أي يجددون الكذب دائما مع الوعد ومنفكا عنه ، فقد استكملوا النفاق : عاهدوا فغدروا ووعدوا فأخلفوا وحدثوا فكذبوا.
ولما كانت المعاهدة سببا للإغناء في الظاهر ، وكان ذلك ربما كان مظنة لأن يتوهم من لا علم له أن ذلك لخفاء أمر البواطن عليه سبحانه ، وكان الحكم هنا واردا على القلب بالنفاق الذي هو أقبح الأخلاق مع عدم القدرة لصاحبه على التخلص منه ، كان ذلك أدل دليل على أنه تعالى أعلم بما في كل قلب من صاحب ذلك القلب ، فعقب ذلك بالإنكار على من لا يعلم ذلك والتوبيخ له والتقريع فقال : (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ) أي الذي له صفات الكمال (يَعْلَمُ سِرَّهُمْ) وهو ما أخفته صدورهم (وَنَجْواهُمْ) أي ما فاوض فيه بعضهم بعضا ، لا يخفى عليه شيء منه (وَأَنَّ اللهَ) أي الذي له الإحاطة الكاملة (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) أي كلها ، أي ألم يعلموا أنه تعالى لا يخادع لعلمه بالعواقب فيخشوا عاقبته فيوفوا بعهده ، وفائدة الإعطاء مع علمه بالخيانة إقامة الحجة ؛ قال أبو حيان : وقرأ علي وأبو عبد الرحمن والحسن (أَلَمْ) تعلموا بالتاء ، وهو خطاب للمؤمنين على سبيل التقرير ـ انتهى. وفائدة الالتفات الإشارة إلى أن هذا العلم إنما ينفع من هيىء للإيمان.
ولما أخبر تعالى أنه لم يكفهم كفران نعمة الغنى من غير معاهدة حتى ارتكبوا الكفران بمنع الواجب مع المعاهدة ، أخبر أنه لم يكفهم أيضا ذلك حتى تعدوه إلى عيب الكرماء الباذلين بصفة حبهم لربهم ما لم يوجبه عليهم ، فقال تعالى معبرا بصيغة تصلح لجميع ما مضى من أقسامهم إفهاما لأنهم كلهم كانوا متخلقين بذلك وإن لم يقله إلا بعضهم : (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ) أي يعيبون في خفاء (الْمُطَّوِّعِينَ) أي الذين ليس عليهم
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
