كذا ، والآية من الاحتباك : أثبت المفعول الثاني أولا دليلا على حذف مثله ثانيا ، وحذفه ثانيا دليلا على إثبات مثله أولا ـ والله أعلم.
ولما حبوا من النعم بما تقدم ، وكان منه الجار الحسن ، وكان العيش مع ذلك لا يهنأ إلا بإبعاد جار السوء ، أخبروا ببعده وزيدوا سرورا بإهانته في قوله : (فَأَذَّنَ) أي بسبب ما أقر به أهل النار على أنفسهم (مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ) أي بين الفريقين (أَنْ) مخففة أو مفسرة في قراءة نافع وأبي عمرو وعاصم ، وشددها الباقون ونصبوا (لَعْنَةُ اللهِ) أي طرد الملك الأعظم وإبعاده على وجه الغضب (عَلَى الظَّالِمِينَ) أي الذين كانوا مع البيان الواضح يضعون الأشياء في غير مواضعها كحال من لم ير نورا أصلا (الَّذِينَ يَصُدُّونَ) أي لهم فعل الصد لمن أراد الإيمان ولمن آمن ولغيرهما بالإضلال بالإرغاب والإرهاب والمكر والخداع (عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له الواضح الواسع (وَيَبْغُونَها) أي يطلبون لها (عِوَجاً) بإلقاء الشكوك والشبهات ، وقد تقدم ما فيه في آل عمران (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ) أي ساترون ما ظهر لعقولهم من دلائلها ؛ فمتى وجدت هذه الصفات الأربع حقت اللعنة (وَبَيْنَهُما) أي وحال الفريقين عند هذه المناداة أنه بينهما أو بين الدارين (حِجابٌ) أي سور لئلا يجد أهل النعيم في دارهم ما يكدر نعيمها (وَعَلَى الْأَعْرافِ) جمع عرف وهو كل عال مرتفع لأنه يكون أعرف مما انخفض ، وهي المشرفات من ذلك الحجاب (رِجالٌ) استوت حسناتهم وسيئاتهم فوقفوا هنالك حتى يقضي الله فيهم ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته كما جاء مفسرا في مسند ابن أبي خيثمة من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلىاللهعليهوسلم (١)(يَعْرِفُونَ كُلًّا) أي من أصحاب الجنة وأصحاب النار قبل دخول كل منهم داره (بِسِيماهُمْ) أي علامتهم (وَنادَوْا) أي أصحاب الأعراف (أَصْحابَ الْجَنَّةِ) أي بعد دخولهم إليها واستقرارهم فيها (أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أي سلامة وأمن من كل ضار.
ولما كان هذا السّلام ربما أشعر أنه بعد دخول أهل الأعراف الجنة ، فكأنه قيل : أكان نداؤهم بعد مفارقتهم الأعراف ودخولها؟ فقيل : لا ، (لَمْ يَدْخُلُوها) أي الجنة بعد (وَهُمْ) أي والحال أنهم (يَطْمَعُونَ) في دخولها ، وعبر بالطمع لأنه لا سبب للعباد إلى الله من أنفسهم وإن كانت لهم أعمال فضلا عن هؤلاء الذين لا أعمال لهم.
__________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ. ولعله في مسند ابن أبي خيثمة كما ذكر المصنف ، وورد بنحوه عن حذيفة من قوله ، انظر الطبري ٥ / ٤٩٩ (١٤٦٩٤) ، والدر المنثور ٣ / ١٦٢ [الأعراف : ٤٤] والبيهقي في البعث والنشور ص ٨١. ٨٢ (١٠٩).
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
