حتى قلبت مدائنهم بعد أن رفعت إلى عنان السماء ، واتبعت حجارة الكبريت تضطرم نارا ، ولعله خص قوم لوط بالذكر من بين من ليس له هذا الوصف لأن العرب كانوا يمرون على مواضع مدائنهم ويشاهدونها ، وعبر عنهم بالمؤتفكات لأن القصص للمنافقين الذين مبنى أمرهم على الكذب وصرف الأمور عن ظواهرها وتقليبها عن وجوهها ، فالمعنى أن أولئك لما قلبوا فعل النكاح عن وجهه عوقبوا بقلب مدائنهم ، فهؤلاء جديرون بمثل هذه العقوبة لقلب القول عن وجهه ، ومادة «إفك» بكل ترتيب تدور على القلب ، فإذا كافأت الرجل فكأنك قلبت فعله فرددته إليه وصرفته عنك ، وأكاف الدابة شبه بالإناء المقلوب ، والكذب صرف الكلام عن وجهه فهو إفك لذلك ـ والله أعلم.
ولما بين سبحانه أن المنافقين بعضهم من بعض وما توعدهم به وما استتبعه من تهديدهم بإهلاك من شابهوه ، وختم بما سبب هلاكهم من إصرارهم وعدم اعتبارهم ، عطف ببيان حال المؤمنين ترغيبا في التوبة طمعا في مثل حالهم فقال : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ) أي بما جاءهم عن ربهم (بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ) ولم يقل : من ، كما قال في المنافقين : من (بَعْضٍ) دلالة على أن أحدا منهم لم يقلد أحدا في أصل الإيمان ولا وافقه بحكم الهوى ، بل كلهم مصوبون بالذات وبالقصد الأول إلى اتباع رسول الله صلىاللهعليهوسلم بالدليل القطعي على حسب فهم كل أحد منهم ، فذلك دليل على صحة إيمانهم ورسوخهم في تسليمهم وإذعانهم ؛ ثم بين ولايتهم بأنهم يد واحدة على من سواهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر فقال : (يَأْمُرُونَ) أي كلهم على وجه التعاضد والتناصر (بِالْمَعْرُوفِ) وهو كل ما عرفه الشرع وأجازه (وَيَنْهَوْنَ) أي كذلك (عَنِ الْمُنْكَرِ) لا يحابون أحدا.
ولما ذكر الدليل القطعي على صحة الإيمان ، أتبعه أفضل العبادات فقال : (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) أي يوجدونها على صفة تقتضي قيامها بجميع أركانها وشروطها وحدودها مراقبة لربهم واستعانة بذلك على جميع ما ينوبهم (وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) أي مواساة منهم لفقرائهم صلة للخلائق بعد خدمة الخالق ، وذلك مواز لقوله في المنافقين (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) ولما خص أمهات الدين ، عم بيانا لأنهم لا ينسون الله طرفة عين بل يذكرونه في كل حال بقوله : (وَيُطِيعُونَ اللهَ) أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه (وَرَسُولَهُ) إشارة إلى حسن سيرتهم وجميل عشرتهم.
ولما ذكر مكارم أفعالهم ، أتبعه حسن مآلهم فقال : (أُولئِكَ) أي العظماء الشأن (سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ) أي المستجمع لصفات الكمال بوعد لا خلف فيه ، وهذا مع الجملة
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
