مواضع مذامه للفرق ويزن به أحوال نفسه من هذه الأديان الستة في هذه الأمة ، وأما وجه وقوع النفاق وأحوال المنافقين فهي داهية القراء وآفة الخليفة ؛ قال صلىاللهعليهوسلم : «أكثر منافقي أمتي قراؤها» (١) وقال بعض كبار التابعين : أدركت سبعين ممن رأى النبي صلىاللهعليهوسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه. وأصل مداخله على الخلق من إيثار حرمة الخلق على حرمة الحق جهلا بالله عزوجل واغترارا بالناس ، فيلزم لذلك محاسنة أولي البر والصدق ظاهرا وتكرههم بقلبه باطنا ، ويتبع ذلك من الذبذبة بين الحالين ما وصف الله تعالى من أحوالهم وما بينه النبي صلىاللهعليهوسلم من علاماتهم حتى قال صلىاللهعليهوسلم : «بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما» (٢) وكما قال تبارك وتعالى (لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ) ينظر المنافق إلى ما يستسقط به فضائل أهل الفضل ويتعامى عن محاسنهم ، كما روي أن الله يبغض التارك لحسنة المؤمن الآخذ لسيئته ، والمؤمن الصادق يتغافل عن مساوىء أهل المساوىء فكيف بمعايب أهل المحاسن! ومن أظهر علامات المنافق تبرمه بأعمال الصادق كما ذكر ، ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلا وإلى جنبه منافق يكره عمله ، وعن ذلك المنافق غماز لماز بخيل جبان مرتاع ، مستثقل في مجامع الخير أجنبي منها ، مستخف في مواطن الشر متقدم فيها ، طلق اللسان بالغيبة والبهتان ، ثقيل اللسان عن مداومة ذكر الله تبارك وتعالى ، عم عن ذكر الله عزوجل في كل حال ، ناظر إلى الناس بكل وجه ، وهو مع ذلك يصانعهم ولا يصادقهم ، يأخذ من الدين ما ينفعه في الدنيا ولا يأخذ ما ينفع في العقبى ، ويجتنب في الدين ما يضر في الدنيا ولا يجتنب ما يضر في العقبى مما لا يضر في الدنيا ، فهذا وجه من وقوع شياع النفاق في هذه الأمة ، فلذلك من حق القارىء أن يستشعر مواقع آي القرآن من نفسه في ذات قلبه وفي أحوال نفسه وأعمال بدنه وفي سره مع ربه وفي علانيته مع خلقه ، فإنه بذلك يجد القرآن كله منطبقا عليه خاصا به حتى كأن جميعه لم
__________________
ـ البزار والطبراني وأحمد من حديث عمار رضي الله عنه ، ورجال البزار ، رجال الصحيح غير الحسن بن قزعة وعبيد بن سليمان وهما ثقتان وفي عبيد خلاف لا يضر. ـ وذكره السيوطي في الجامع وحسنه.
(١) أخرجه الطبراني ١٧ / ٣٠٥ وأحمد ٤ / ١٥١ و ١٥٥ من حديث عقبة بن عامر ، وذكره الهيثمي في المجمع ٦ / ٣٢٩ وقال : وأحد أسانيد أحمد ثقات أثبات ا ه. وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو أخرجه أحمد ٢ / ١٧٥ وذكره الهيثمي وقال : رواه أحمد والطبراني ، ورجاله ثقات وكذلك رجال أحد إسنادي أحمد ثقات. ـ وله شاهد آخر من حديث عصمة أخرجه الطبراني ١٧ / ١٧٩ وفي إسناده الفضل ابن المختار ، وهو ضعيف ا ه.
(٢) هو عند البخاري ٦٥٧ ومسلم ٦٥١ ح ٢٥٢ من حديث أبي هريرة لكن بلفظ : «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر ...» وله تتمة.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
