إقامة معالم الإسلام وإيمان أهل الإيمان وشهود أهل الإحسان ، تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتأتم بهم الصوفية ، وتظهر أنوار قلوبهم على ظلم المتشابهات فيأتم بهم أهل الإيمان ، وتبدو في أعمالهم معالم الإسلام تامة فيأتم بهم أهل الإسلام (عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) [الفرقان : ٦٣] «أفضل الناس مؤمن في خلق حسن وشر الناس كافر في خلق سيىء» (١) فأولو الفرقان جامعون ومستبصرون فمن اقتصر على ظاهر وأنكر باطنا لزمته مذام اليهود فيما أنزل من القرآن فيهم بحسب توغله واقتصاره ، ومن اقتصر على باطن دون ظاهر لزمته مذام النصارى فيما أنزل من القرآن فيهم ؛ يذكر أن رجلا من صلحاء المسلمين دخل كنيسة فقال لراهب فيها : دلني على موضع طاهر أصلي فيه ، فقال الراهب : طهر قلبك مما سواه وقم حيث شئت ، قال ذلك الصالح المسلم : فخجلت منه ، فاعلم أن كل واحد من هذين الحالين ليس حال صاحب فرقان ولا حال صاحب قرآن لأن صاحب القرآن لا يخجل لهذا القول لأنه حاله ، وقلبه مطهر مما سوى الله ، ومع ذلك لا بد أن ينظف ظاهره ، لأن الله سبحانه كما أنه الباطن فيحب صفاء البواطن فإنه الظاهر يحب صلاح الظواهر ، فصاحب القرآن إذا دعي إلى صفاء باطن أجاب ولم يتلعثم وإذا دعي إلى صلاح ظاهر أجاب ولم يتلكأ لقيامه بالفرقان وحق القرآن ، يذكر أن مالكا رحمهالله دخل المسجد بعد العصر وهو ممن لا يرى الركوع بعد العصر فجلس ولم يركع فقال له صبي : يا شيخ! قم فاركع ، فقام وركع ولم يحاجه بما يراه مذهبا ، فقيل له في ذلك فقال : خشيت أن أكون من الذين (إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ) [المرسلات : ٤٨] ووقف النبي صلىاللهعليهوسلم على سقاية زمزم وقد صنع العباس رضي الله عنه أحواضا من شراب فضيخ التمر والمسلمون يردون عليه وقد خاضوا فيه بأيديهم ، فأهوى النبي صلىاللهعليهوسلم يشرب من شرابهم ، فقال له العباس رضي الله عنه : يا رسول الله! ألا نسقيك من شراب لنا في أسقية؟ فقال صلىاللهعليهوسلم : أشرب من هذه ألتمس بركة أيدي المسلمين ، (٢) فشرب منه صلىاللهعليهوسلم. فصاحب القرآن يعبد الله تبارك وتعالى بقلبه وجسمه لا يقتصر على ظاهر دون باطن ولا على باطن دون ظاهر ، ولا على أول دون آخر ولا على آخر دون أول ؛ قال صلىاللهعليهوسلم «أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره» (٣) فمن حق القارىء أن يعتبر القرآن نفسه ويلحظ
__________________
(١) لم أره بهذا التمام. وورد نحوه وبمعناه أحاديث كثيرة راجع مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا والطبراني.
(٢) لم أجده بعد فلينظر.
(٣) أخرجه الترمذي ٢٨٦٩ والديلمي ٦٠٤١ وأحمد ٣ / ١٤٣ من حديث أنس وقال الترمذي : حسن غريب ا ه. ـ وأخرجه أحمد ٥ / ٣١٩ من حديث عمار ، وذكره الهيثمي في المجمع ١٠ / ٦٨ وقال : رواه
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
