شيء كان عدي باللام وأشير ـ بقصر الفعل وهو متعد ـ إلى المبالغة في التصديق بحيث كأنه لا تصديق غيره.
ولما بين سبحانه أن تصديقه ظاهرا وباطنا إنما هو للراسخين في الإيمان ، بين أن تصديقه لغيرهم إنما هو الظاهر فقال : (وَرَحْمَةٌ) أي وهو رحمة (لِلَّذِينَ آمَنُوا) أي أظهروا الإيمان بألسنتهم (مِنْكُمْ) فهو ـ والله أعلم ـ إشارة إلى المنافقين ومن في حكمهم ممن جزم لسانه وقلبه مزلزل ، أي أن إظهار تصديقهم قبولا لما ظهر منهم وستر قبائح أسرارهم سبب للكف عن دمائهم ، وإظهار المؤمنين لمقتهم ربما كان ذلك سببا لصدق إيمانهم بما يرون من محاسن الإيمان بتمادي الزمان ، ولا يستبعد كون التعبير بالماضي إشارة إلى المنافقين لا سيما بعد التعبير باسم الفاعل ، فقد قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه المفتاح ما نصه : الباب الرابع في رتب البيان عن تطور الإنسان بترقيه في درج الإيمان وترديه في درك الكفران : اعلم أن الله محيط بكل شيء خلقا وأمرا أولا وآخرا ظاهرا وباطنا وهو حمده ، وله علو في ظهور أمره وكبير خلقه ، واحتجاب في مقابل ذلك من خلقه وأمره بما أبداه من حكمته وأسباب هداه وفتنته ، وذلك العلو هو إلهيته ، والاحتجاب هو ملكه ، وبينهما إقامة كل خلق لما خلق له وتأييد كل أمر من الأمرين لما أقيم له ، وذلك هو ربانيته ولكل فتق من خلقه وأمره رتق سابق. ولكل تفاوت سواء ، وذلك هو رحمانيته ، ولكل أقرب في مدد الحجاب اختصاص وذلك هو رحيميته ، ولكل أبعد في مدد الحجاب بطش منه شديد في رده إلى القرب وتلك هي نقمته ، ولكل من تنزلاته العلية ظاهرا وباطنا أمر خاص ، ولكل أمر خلق ، يرد بيان القرآن لكل خلق بحسب كنه ذاته واختصاص رتبة قربه ومحل بعده ، وأن الله سبحانه جعل آدم وذرأه خليفة له في جميع أمره وتفصيله ، وأنزل القرآن بناء على جملة ذلك ، فأردأ الأحوال لهذا المستخلف المحل الذي سمي فيه بالإنسان ، وهو حيث أنس بنفسه وغيره ونسي عهد ربه ، فيرد لذلك بناؤه بالذم في القرآن (قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ) [عبس : ١٧] (إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) [العاديات : ٦] ثم المحل الذي تداركه فيه تنبه لسماع الزجر من ربه ، وهو له بمنزلة سن الميّز لابن سبع ، ولا يقع إلا عن اجتماع وتراء ، وذلك هو السن المسمون فيه بالناس لنوسهم ، أي ترددهم بين سماع الزجر من ربهم وغلبة أهوائهم عليهم ، فيرد لذلك بناؤهم بذم أكثرهم في القرآن (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ـ و (لا يَشْكُرُونَ) [الأعراف : ١٨٧] ثم المحل الذي يتحقق لهم قبول وسماع وإيمان لغائب الأمر والخلق ، لكنهم يتزلزلون عنه كثيرا عند كل عارضة نيل وخادعة رفعة ، وهو لهم بمنزلة سن المحتلم الذي قد ذاق طعم بدو النطفة من باطنه
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
