إحاطة الفتنة ـ التي أسقطوا أنفسهم فيها ـ بهم ، وإنما قال : (بِالْكافِرِينَ) تعميما وتنبيها على الوصف الذي حملهم على ذلك.
ولما كان كأنه قيل : ما الفتنة التي سقطوا فيها فأحاطت بهم جهنم بسببها؟ قيل : (إِنْ) أي هي كونهم أن ، ويجوز أن يكون علة لإحاطة جهنم بهم ، وكأنهم ـ لأجل أنهم من الأوس والخزرج فالأنصار أقاربهم ـ خصوا النبي صلىاللهعليهوسلم بالعداوة وشديد الحنق ، وكذا أيضا كان لا يسوءهم ويسرهم من الحسنة والسيئة إلا ما له وقع ـ بما أذن به التعبير بالإصابة دون المس ـ لا ما دونه ، حفظا لقلوب أقاربهم ورعيا لأسرار نسائهم ، فقال إشارة إلى ذلك : (تُصِبْكَ) أي بتقدير الله ذلك (حَسَنَةٌ) أي بنصر أو غيره (تَسُؤْهُمْ) أي لما في قلوبهم من الضغن والمرض (وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ) أي نكبة وإن صغرت كما وقع يوم أحد (يَقُولُوا) أي سرورا وتبجحا بحسن آرائهم (قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا) أي عصينا الذي أمرنا ولم نسلم قيادنا لأحد فنكون كالأعمه ، لأن الأمر الحادثة وضد النهي ، ومنه الأمير ، رجل إمّر وإمرة ـ بتشديد الميم المفتوحة مع كسر الهمزة وتفتح : ضعيف الرأي ، يوافق كل أحد على ما يريد من أمره كله ، وهو الأعمه وزنا ومعنى (مِنْ قَبْلُ) أي قبل أن تكون هذه المصيبة ، فلم نكن مؤتمرين بأمر فيصيبنا فلم يكن ما أصاب من تبعه ، فكان أمرهم ـ لو كانوا مطيعين ـ كان شيئا متحققا بيد الآمر ، فلما عصوه كانوا كأنهم قد أخذوه منه.
ولما كان قولهم هذا بعيدا عن الاستقامة ، فكان جديرا بأن لا يقال ، وإن قيل كان حقيقا بأن يستقال بالمبادرة إلى الرجوع عنه والاستغفار منه ، أشار تعالى إلى تماديهم فيه فقال : (وَيَتَوَلَّوْا) أي عن مقامهم هذا الذي قالوا فيه ذلك وإن طال إلى أهاليهم (وَهُمْ فَرِحُونَ) أي لمصيبتكم لكفرهم ولخلاصهم منها.
ولما كان قولهم هذا متضمنا لتوهمهم القدرة على الاحتراس من القدر ، قال تعالى معلما بجوابهم مخاطبا للرأس لعلو المقام : (قُلْ) أي إنا نحن لا نقول مقالتكم لمعرفتنا بأنا لا نملك ضرا ولا نفعا ، بل نقول : (لَنْ يُصِيبَنا) أي من الخير والشر (إِلَّا ما كَتَبَ) أي قدر (اللهُ) أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما ، ولما كان قضاء الله كله خيرا للمؤمن إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر ، عبر باللام فقال : (لَنا) أي لا يقدر على رده عنا إلا هو سبحانه (هُوَ) أي وحده (مَوْلانا) أي القريب منا الذي يلي جميع أمورنا ، لا قريب منا سواه ، فلو أراد لدفع عنا كل مصيبة لأنه أقرب إلينا منها ، لا تصل إلينا بدون علمه وهو قادر ، فنحن نعلم أن له في ذلك لطيف سريرة تتضاءل دونها ثواقب الأفكار وتخسأ عن الإحاطة بتحقيقها نوافذ الأبصار فنحن لا نتهمه في قضائه لأنا
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
