فيهما ، أعاد الضمير عليهما بما يدل على الأنواع الكثيرة فقال : (وَلا يُنْفِقُونَها) أي ينفقون ما وجب عليهم من هذه الأموال التي جمعوها من هذين النوعين مجتمعين أو منفردين ، ولو ثنى لأوهم أن اجتماعها شرط للترهيب ، وإنما أعاد الضمير عليها من غير ذكر «من» ـ وهي مرادة ـ لمزيد الترغيب في الإنفاق والترهيب من تركه ، ويجوز أن يعود الضمير إلى الفضة لأن الذم على كنزها ، والحاجة إليها لكثرتها أقل ، فالذم على كنز الذهب من باب الأولى لأنه أعلى منها وأعز بخلاف الذم على كنز الذهب ؛ وقال الحرالي في آل عمران : فأوقع الإنفاق عليهما ولم يخصه من حيث لم يكن ، ولا ينفقون منهما كما قال في المواشي [خذ من أموالهم] لأن هذين الجوهرين خواتم ينال بها أهل الدنيا منافعهم وقد صرف عنهم الانتفاع بهما فلم يكن لوجودهما فائدة إلا بإنفاقهما لأنهما صنما هذه الأمة ، فكان كسرهما بإذهابهما ـ انتهى. (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي الوجه الذي أمر الملك الأعلى بإنفاقها فيه (فَبَشِّرْهُمْ) أي نقول فيهم بسبب ذلك تهكما بهم : بشرهم (بِعَذابٍ أَلِيمٍ) عوضا عما أرادوا بهما من السرور بإنجاح المقاصد.
ولما كان السياق دالّا دلالة واضحة على أن هذا العذاب يحصل لهم ويقع بهم ، فنصب بذلك قوله : (يَوْمَ يُحْمى) أي يحصل الإحماء وهو الإيقاد الشديد (عَلَيْها) أي الأموال التي جمعوها (فِي نارِ جَهَنَّمَ) أي التي لا يقاربها ناركم ، وتلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى بذلك الفقراء وغيرهم من أهل الله لا سيما من منعه ما يجب له من النفقة (فَتُكْوى بِها) أي بهذه الأموال (جِباهُهُمْ) التي هي أشرف أعضائهم لأنها مجمع الوجوه والرؤوس وموضع الجاه الذي يجمع المال لأجله لتعبيسهم بها في وجوه الفقراء (وَجُنُوبُهُمْ) التي يحوونه لملئها بالمآكل المشتهاة والمشارب المستلذة ولازورارهم بها عن الفقراء (وَظُهُورُهُمْ) التي يحوونه لتقويتها وتحميلها بالملابس وتجليتها ولتوليتهم إياها إذا اجتمعوا مع الفقراء في مكان. ثم يقال لهم : (هذا ما كَنَزْتُمْ) وأشار إلى الحامل على الجمع المنافي للعقل بقوله : (لِأَنْفُسِكُمْ) أي لتنافسوا به وتلتذوا فلم تنفقوه فيما أمر الله (فَذُوقُوا ما) أي وبال وعذاب ما (كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) أي تجددون جمعه على سبيل الاستمرار حريصين عليه ، وأشار بفعل الكون إلى أنهم مجبولون على ذلك ؛ روى البخاري في التفسير عن زيد بن وهب قال : مررت على أبي ذر رضي الله عنه بالربذة قلت : ما أنزلك بهذه الأرض قال : كنا بالشام فقرأت (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) ـ الآية ، قال معاوية : ما هذه فينا ، ما هذه فينا ، ما هذه إلا في أهل الكتاب! قلت : إنها لفينا وفيهم ؛ وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال ، يعني فما أعطى صاحبه ما وجب عليه فيه فليس بكنز.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
