له العلو المطلق فليس كمثله شيء ، وعزير هذا هو المسمى عندهم في سفر الأنبياء ملاخيا ، ويسمى أيضا العازر وهو الأصل والعزير تعريبه ، وأما الذي جمع لهم هذه التوراة التي بين أيديهم فقال السموأل بن يحيى المغربي الذي كان يهوديا فأسلم : إنه شخص آخر اسمه عزرا ، وإنه ليس بنبي. ذكر ذلك في كتابه غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود ، وهو كتاب حسن جدا ، وكان السموأل هذا مع تمكنه من المعرفة بشريعة اليهود وأخبارهم متمكنا من علوم الهندسة وغيرها ، وكان فصيحا بليغا وكان حسن الإسلام يضرب المثل بعقله ، ورأيت اليهود في غاية النكاية منه ، وأراني بعضهم رسالة إليه لبعض أحبارهم يسفه فيها رأيه في إسلامه ويشبه عليه بأشياء خطابية وشعرية ، فأجابه بجواب بديع افتتحه بقوله تعالى : (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) [البقرة : ١٤٢] ثم رد كلامه أحسن رد ثم قال له ما حاصله : دع عنك مثل هذه الخرافات ، وأجب عن الأمور التي ألزمتكم بها في كتاب غاية المقصود ، فما أحار جوابا ، ثم القائل لهذا القول منهم روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم أربعة ، وقيل : قائله واحد وأسند إلى الكل كما يقال : فلان يركب الخيول وقد لا يكون له إلا فرس واحد ، وهو كقوله تعالى (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ) [آل عمران : ١٧٣] وقيل : كان فاشيا فيهم فلما عابهم الله به تركوه وهم الآن ينكرونه ، والله تعالى أصدق حديثا (وَقالَتِ النَّصارى) أي منهم إفكا وعدوانا (الْمَسِيحُ) وأخبروا عنه بقولهم : (ابْنُ اللهِ) أي مع أن له الغنى المطلق والكمال الأعظم ، والمسيح هذا هو ابن مريم بنت عمران ؛ ثم استأنف قوله مترجما قولي فريقيهم : (ذلِكَ) أي القول البعيد من العقول المكذب للنقول (قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ) أي حقيقة لم يحتشموا من قوله مع سخافته ، وهو مع ذلك قول لا تجاوز حقيقته الأفواه إلى العقول لأنه لا يتصوره عاقل ، بل هو قول مهمل كأصوات الحيوانات العجم لا يتحقق له معنى ؛ قال : ومعناه الحال أن قائله لا عقل له ، ليس له معنى وراء ذلك ، ولبعده عن أن يكون مقصودا لعاقل عبر فيه بالأفواه التي هي أبعد من الألسنة إلى القلوب.
ولما كان كأنه قيل : فما لهم إذا كان هذا حالهم قالوه؟ قال ما حاصله : إنهم قوم مطبوعون على التشبه بمن يفعل المفاسد كما أنهم تشبهوا بعبدة الأوثان ، فعبدوها غير مرة والأنبياء بين أظهرهم يدعونهم إلى الله وكتابهم ينادي بمثل ذلك وينذرهم أشد الإنذار (يُضاهِؤُنَ) أي حال كونهم يشابهون بقولهم هذا (قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي بمثله وهم العرب حيث قالوا : الملائكة بنات الله ، كما أنهم لما رأوا الذين يعكفون على أصنام لهم قالوا : (يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ.)
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
