ولما كان استفهام الإنكار في معنى النفي ، صح الاستثناء منه ، فكأنه قيل : لا يكون للمشركين عهد (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ) أي منهم كما تقدم (عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) أي الحرم يوم الحديبية ، وهذا مما يدل على أن الاستثناء المتقدم من (الَّذِينَ) في قوله (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ؛) قال البغوي ؛ قال السدي والكلبي وابن إسحاق : هم من قبائل بكر : بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو ضمرة وبنو الديل وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية ، فلم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني بكر فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض. ولما استثنى ، بين حكم المستثني فقال : (فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ) أي ركبوا الطريق الأقوم في الوفاء بعهدهم (فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) والقول في (إِنَّ اللهَ) أي المحيط بالجلال والجمال (يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) كما سبق.
ولما أنكر سبحانه أن يكون للمشركين غير المستثنين عهد ، بين السبب الموجب للانكار مكررا أداة الإنكار تأكيدا للمعنى فقال : (كَيْفَ) أي يكون لهم عهد ثابت (وَإِنْ) أي والحال أنهم مضمرون لكم الغدر والخيانة فهم إن (يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ) أي إن يعل أمر لهم على أمركم بأن يظفروا بكم بعد العهد والميثاق (لا يَرْقُبُوا) أي لا ينظروا ويرعوا (فِيكُمْ) أي في أذاكم بكل جليل وحقير (إِلًّا) أي قرابة محققة (وَلا ذِمَّةً) أي عهدا ، يعني أن الأمر المبيح للنبذ خوف الخيانة ، وعلام الغيوب يخبركم أنهم في غاية الخيانة لكم ، والإل هذا : القرابة ـ وهو قول ابن عباس ، والمادة تدور على الألة وهي حربة في نصلها عرض ، ويلزمها الصفاء والرقة والبريق ، ويشبه به الإسراع في العدو ، والثبات في نفسها ، ومنه القرابة والعهد والتغير في وصفها ، ومنه تغير رائحة الإناء وفساد الأسنان والصوت ، ومنه الأنين والجؤار في الدعاء مع البكاء وخرير الماء والطعن والقهر ـ ، ومنه : إن هذا ـ أي كلام مسيلمة ـ ما يخرج من إل ، أي من ربوبية ، وفي إل الله ، أي قدرته وإلهيته.
ولما كان ذلك مظنة لأن يقال : قد أكدوا لنا الأيمان وأوثقوا العهود ، ولم يدعوا بابا من أبواب الاستعطاف ، قال معللا لما مضى مجيبا لمن استبعده : (يُرْضُونَكُمْ) وعبر بأقصى ما يمكن الكلام به من القلوب تحقيقا لأنهم ليس في قلوبهم شيء منه فقال : (بِأَفْواهِهِمْ) أي بذلك التأكيد ، وصرح بالمقصود بقوله : (وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ) أي العمل بما أبدته ألسنتهم ، وقليل منهم من يحمله الخوف ونحوه على الثبات أو يرجع عن هذا الفسق ويؤمن (وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ) أي راسخو الأقدام في الفسق خارجون ـ لمخالفة الفعل للقول ـ عما تريدونه ، وإذا نقض الأكثر اضطر الأقل إلى موافقتهم.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
