ولما كانت مناسبة أولها ـ الداعي إلى البراءة ممن يخشى نقضه ـ لآخر الأنفال المبين لمن يصلح للولاية المختتم بشمول العلم في حد عظيم من الظهور مع ما تقدم من بيان مناسبة آخر الأعراف لأول الأنفال ، قدمت الأنفال مع قصرها على براءة مع طولها واشتباه أمرها على الصحابة في كونها سورة مستقلة أو بعض سورة كما قدمت آل عمران مع قصرها على النساء لمثل ذلك من المناسبة ، فكان ما ذكر في براءة من البراءة والتولي شرحا لآخر الأنفال ؛ روى الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن والترمذي في الجامع وحسنه وابن ماجه وابن حبان في صحيحه وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى والبزار والبيهقي والإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستي القاضي في تفسيره ـ بسند الترمذي والبيهقي ـ والإمام أبو جعفر النحاس بغير سند عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه : ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطول؟ (١) ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان رضي الله عنه : كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم مما ـ وقال البستي : ربما ـ يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد ، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا ، وكانت قصتها شبيهة بقصتها ، فظننت أنها منها ، فقبض رسول الله صلىاللهعليهوسلم ولم يبين لنا أنها منها ، ـ قال النحاس : وذهب عني أن أسأله عنها ـ فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر(بسم الله الرحمن الرحيم) فوضعتها في السبع الطول ـ زاد ابن راهويه : وكانتا تدعيان القرينتين ـ انتهى. فبين أنهما اشتبها عليه وأنه وضعهما في الطول لمناسبتهما لها على تقدير كونها سورة واحدة ؛ قال في القاموس : والسبع والطول ـ كصرد ـ من البقرة إلى الأعراف ، والسابعة سورة يونس أو الأنفال وبراءة جميعا لأنهما سورة واحدة ـ انتهى. وقال في الكشاف : وقيل : سورة الأنفال والتوبة سورة واحدة كلتاهما نزلت في القتال تعدان السابعة من الطول وهي سبع وما بعدها المئون ، وهذا قول ظاهر لأنهما معا مائتان وست فهما بمنزلة إحدى الطول ، وقد اختلف أصحاب رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال بعضهم : الأنفال وبراءة سورة واحدة ، وقال بعضهم : هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول من يقول : هما سورتان ، وتركت «بسم»
__________________
(١) أخرجه أبو داود ٧٨٦ والترمذي ٣٠٨٦ والنسائي في الكبرى ٨٠٠٧ وابن حبان ٤٣ والحاكم ٢ / ٢٢١ و ٣٣٠ والبيهقي ٢ / ٤٢ وأحمد ٥٧ و ٦٩ من حديث ابن عباس صححه الحاكم على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي : حسن صحيح.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
