لخواطرهم وبالمعنى الثاني ـ لتضمنه الأول وزيادته عليه ـ قال ابن زيد والشعبي : حسبك الله وحسبك من اتبعك ، وساقها سبحانه على وجه مكرر لكفاية نبيه صلىاللهعليهوسلم محتمل لأن فيمن كان على اتباعه في ذلك الوقت كفاية لئلا يستقلوا بالنسبة إلى كثرة أعدائهم.
ولما بين أنهم كافون مكفيون ، وكان ذلك مشروطا بفعل الكيس والحزم وهو الاجتهاد بحسب الطاقة ، أمره بأن يأمرهم بما يكونون به كافين من الجد في القتال وعدم الهيبة للأبطال في حال من الأحوال ، فقال معبرا بالوصف الناظر إلى جهة التلقي عن الله ليشتد وثوق السامع لما يسمعه : (يا أَيُّهَا النَّبِيُ) أي الرفيع المنزلة عندنا الممنوح من إخبارنا بكل ما يقر عينه وعين أتباعه (حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) أي الغريقين في الإيمان (عَلَى الْقِتالِ) أي بالغ في حثهم عليه وندبهم بكل سبيل إليه ، ومادة حرض ـ بأيّ ترتيب كان ـ حرض ، حضر ، رحض ، رضح ، ضرح ؛ ترجع إلى الحضور ويلزمه الخفض والدعة ، ويلزم الكسل فيلزمه الضعف فيلزمه الفساد ، ومنه الحرض الذي أشفى على الهلاك ، أي حضر هلاكه وحضر هو موضعه الذي هو فيه فصار لما به لا يزايله ما دام حيا ، ورحض الثوب ، أي غسله ، من الدعة التي هي شأن الحضور غير المسافرين ، والرحضاء عرق الحمى تشبيه بالمغسول ، والمرضاح الحجر الذي لا يزال حاضرا لرضح النوى ، والضريح شق مستطيل يوضع فيه الميت فيكون حاضره لازما له دائما إلى الوقت المعلوم ، ويلزمه الرمي والطول ، ومنه المضرحي للطويل الجناحين من الصقور لأن كل صيد عنده حاضر لقوة طيرانه ، والرجل الكريم لعلو همته ، وأحضرت الدابة : عدت فجعلت الغائب حاضرا ، والتحريض الحث على حضور الشيء ، فحرض على القتال : حث على الطيران إليه بتعاطي أسبابه والاستعداد لحضوره حتى يصير المحثوث كأنه حاضر ، متى قيل : يا صباحاه! طار إلى المنادي ، وكان أول حاضر إلى النادي ، لأنه لا مانع له من شيء من الأشياء بل استعداده استعداد الحاضر في الصف ؛ وقال الإمام أبو الحسن علي ابن عيسى الرماني في تفسيره : والتحريض : الدعاء الوكيد لتحريك النفس على أمر من الأمور ، والحث والتحريض والتحضيض نظائر ، ونقيضه التفسير ، والتحريض ترغيب في الفعل بما يبعث على المبادرة إليه مع الصبر عليه ـ انتهى. فهذه حقيقته ، لا ما قال في الكشاف وتبعه عليه البيضاوي.
ولما ندبهم إلى القتال ، أعلمهم بأنهم منصورون فيه إن لازموا آلة النصر ، فقال اسئنافا جوابا لمن قال : ما عاقبتهم إذا رغبوا فبادروا إلى ذلك؟ : (إِنْ يَكُنْ) ولما كانت لذة الخطاب تثير الهمم وتبعث العزائم وتوجب غاية الوثوق بالوعد ، عدل عن الغيبة فقال : (مِنْكُمْ عِشْرُونَ) أي رجلا : (صابِرُونَ) أي الصبر المتقدم (يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) أي
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
