ولما كان كأنه قيل : فما له يمهلهم ولا يعاجلهم بالأخذ قبل النكاية في أوليائه وأهل وده وأصفيائه؟ قال : (ذلِكَ) أي الأخذ على هذه الحالة (بِأَنَّ اللهَ) أي بسبب أنهم غيروا ما في أنفسهم ، وقد كان له سبحانه أن يأخذهم قبل أن يغيروا لعلمه بما في ضمائرهم ، ولكنه تعالى أجرى سنته الإلهية لتمام علمه وكمال قدرته وإحاطته بجميع صفات الكمال بأنه (لَمْ يَكُ) هكذا كان الأصل ، ولكن حذف اختصارا تقريبا لبيان تعميم العلة وإبعادا للسامع من مثل ذلك ، وحذف نون «يكن» إرشادا إلى أن هذه الموعظة خليقة بأن يوجز بها غاية الإيجاز فيبادر إلى إلقائها لما في حسن تلقيها من عظيم المنفعة ، لأن من خالفها جدير بتعجيل الانتقام (مُغَيِّراً نِعْمَةً) أي قلت أو جلت ، وبين أنه لا نعمة على أحد إلا منه فقال : (أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ) أي من أيّ طائفة كانوا (حَتَّى يُغَيِّرُوا) أي يبدلوا (ما) يعتقدونه (بِأَنْفُسِهِمْ) بغيره مما هو غريزة لهم وهو حفي عنهم ، يظنون اتصافهم بضده مما هو ظاهر لهم اتصافا غريزيا (وَأَنَ) أي وبسبب أن (اللهَ) أي الذي له الكمال كله (سَمِيعٌ) أي لما يكذبون به الرسل ولأقوالهم : إن ما يظهرونه وصفهم الحقيقي (عَلِيمٌ) أي بما تكنّ ضمائرهم من غيره وإن جهلوه هم فيبتليهم ببلاء يظهر به ذلك المكنون ويبرز به كل سر مصون ، فإذا تعلق به العلم ظاهرا علق به الحكم قاهرا لتمام قيام الحجة ، ولتمام علمه بحالهم أمهلهم ، وإنما يستعجل من يخاف أن تخيب فراسته أو يتغير علمه ، وأما الذي علمه بالظواهر والضمائر على حد سواء فالحالتان عنده سيان ، فهو يمهل لإتمام الحكمة ولا يهمل من استحق النقمة ، وذلك التغيير الذي أظهره البلاء هو التكذيب بالحق عنادا والبعد عما كانوا يدعونه من العدل والمشي على مناهيج العقل والاستحياء من العناد ، والتنزه من طرق الفساد ، هكذا كانت كل أمة أرسلت إليها الرسل تدعي وما عندها من خلاف ذلك مستور في ضمائرها مكنون في سرائرها ، لا تعلمه كما تشاهد أكثر من تعاشره ، يظن في نفسه ما ليس فيها ، وعند الامتحان يكذبه العيان ، فلما جاءتهم الرسل وأوضحوا لهم الأمر إيضاحا ليس معه لبس فكذبوهم ، غيروا ما كان في نفوسهم مما كانوا يزعمون ؛ ثم كرر قوله : (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) أي فرعون وقومه فإنهم أتباعه فلا يخيل أنهم يفعلون شيئا إلا وهو قائدهم فيه (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ـ لدقيقة ، وهي أنه قد تقدم أنه ما من أمة إلا ابتليت بالضراء والسراء ، فالأولى ينظر إليها مقام الإلهية الناظر إلى العظمة والكبرياء والقهر والانتقام ، والثانية ثمرة مقام الربوبية الناشىء عنه التودد والرحمة والرأفة والإكرام ، ولذا عبر في الأولى باسم الذات الجامع لجميع الصفات الذي لفظه ـ عند من يقول باشتقاقه ـ موضوع لمعنى الإلهية إشارة إلى أنهم أعرضوا في حال الضراء عن التصديق وعاملوا بالتجلد
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
