ذلك اللين عن دهش. ومنه أبطرت حلمه أي أدهشته عنه ، وذهب دمه بطرا أي باطلا للضعف عنه للحيرة في الأمر الموصل إليه ، وتارة يكون عن مجاوزة الحد في الصلابة ، ومنه بطر النعمة ـ إذا لم يشكرها فتجاوز الحد في المرح ، فإن فاعل ذلك يمكنه الحكيم من مقاتله فيأخذه وهو يرجع إلى عدم احتمال القوى للشكر ، ففاعل ذلك ضعيف وإن ظهر منه خلاف ذلك ما قال عمر رضي الله عنه : العدل وإن رئي لينا أكف عن الظلم من الجور وإن رئي شديدا ـ أو كما قال رضي الله عنه. وأقرب من ذلك أن تكون المادة دائرة على الخلطة الناقلة من حال إلى حال.
ولما ذكر الحامل لهم على الخروج من أنفسهم ، ذكر ما أوجبه لهم من غيرها فقال : (وَرِئاءَ النَّاسِ) أي خرجوا يرون الناس خروجهم وما يتأثر عنه ليروهم ما يقولون فيه ، فإنهم لما قيل لهم ؛ قد نجى الله عيركم فارجعوا ، بطروا النعمة تبعا لأبي جهل حيث قال : والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنشرب الخمور وننحر الجزور وتعزف علينا القيان فتسمع بنا العرب فلا تزال تهابنا أبدا! فسقوا مكان الخمر كؤوس المنايا الحمر ، وناحت عليهم نوائح الزمان مكان العزف والقيان.
ولما ذكر نفس الخروج وما فيه من الفساد وذكر ثمرته الخبيثة الناشئة عن ذينك الخلقين ، وعبر عنهما بالاسم إشارة إلى الثبات كما هو شأن الأخلاق ، وعن الثمرة بالمضارع تنبيها على أنهم لا يزالون يجددونها فقال : (وَيَصُدُّونَ) أي يوجدون الصد وهو المنع لأنفسهم وغيرهم (عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي الملك الأعظم في ذلك الوجه وهم عازمون على تجديد ذلك في كل وقت ، فلما كانت هذه مقاصدهم كان نسجهم هلهلا وبنيانهم واهيا ، فإنها من عمل الشيطان ، وكل عمل لا يكون لله إذا صدم بما هو لله اضمحل ، بذلك سبحانه أجرى سنته ولن تجد لسنته تحويلا ، فإن العاملين عبيد الله (وَاللهُ) أي فعلوا ذلك والحال أن المحيط بكل شيء الذي عادوا أولياءه (بِما) أو يكون ذلك معطوفا على ما تقديره : فأبطل الله بجلاله وعظمته أعمالهم وهو بكل ما (يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) فهم في قبضته ، فأوردهم ـ إذ خرجوا يحادونه ـ بدرا فنحر مكان الجزور رقابهم وسقاهم مكان الخمور كؤوس المنايا ، وأصاح عليهم مكان القيان صوائح النوائح ، ولعله قدم الجار إشارة إلى أنه لشدة إحاطته بأعمالهم كأنه لا نظر له إلى غيرها فلا شاغل له عنها.
ولما بين لهم فساد أعمالم لفساد نياتهم تنفيرا منها ، زاد في التنفير بالإشارة إلى الأمر بدوام تذكرها بعاطف على غير معطوف عليه مذكور فقال ؛ (وَإِذْ) فعلم أن التقدير قطعا : اذكروا ذلك واذكروا إذ ، وزاد في التنفير بذكر العدو المبين والتنبيه على أن كل ما
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
