عليها ، وهذه الآيات ـ مع كونها معلمة بما لهم في الدنيا وما لهم في الآخرة من أن آخر أمرهم في الدنيا الغلب كما كشف عنه الزمان علما من أعلام النبوة وفي الآخرة جهنم ـ هي مبينة لكذبهم في قولهم (لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا) [الأنفال : ٣١] فإنهم لو كانوا صادقين في دعواهم لقالوا مثله ثم قالوا : لو كان هذا هو الحق لا غيره لما قلنا مثله ، موضع قولهم (إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَ) [الأنفال : ٣٢] إلى آخره ، وأما آية المكاء والتصدية فكأنها تقول : هذا القرآن في أعلى درج البلاغة ولم تؤهلوا أنتم ـ مع ادعائكم السبق في البلاغة ـ لأن تعارضوه بشيء له أهلية لشيء من البلاغة ، بل نزلتم إلى أصوات الحيوانات العجم حقيقة ، فلا أجلى من هذا البيان على ما ادعيتم من الزور والبهتان ، وأما آية الإنفاق فقائلة : لو قدرتم في معارضته على إنفاق الأقوال لما عدلتم عنه إلى إنفاق الأموال المفضي إلى مقاساة الأهوال وفساد الأشباح ونفوق ما حوت من الأرواح المؤدي إلى الذل السرمد بالعذاب المؤبد.
ولما ذكر حشر الكافرين ذكر علته فقال معلقا بيحشرون : (لِيَمِيزَ اللهُ) أي الذي له صفات الكمال بذلك الحشر (الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) أي إنما جعل للكفار دارا تخصهم ويخصونها لإظهار العدل والفضل بأن يميز الكافر من المؤمن فجعل لكل دار يتميز بها عدلا في الكافرين وفضلا على المؤمنين ، فيجعل الطيب في مكان واسع حسن (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ) أي الفريق المتصف بهذا الوصف (بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ) والركم : جمع الشيء بعضه فوق بعض ، فكأن قوله : (فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً) عطف تفسير يؤكد الذي قبله في إرادة الحقيقة مع إفهام شدة الاتصال حتى يصير الكل كالشيء الواحد كالسحاب المركوم ، والنتيجة قوله : (فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ) أي دار الضيق والغم والتجهم والهم.
ولما كان هذا أمرا لا فلاح معه ، استأنف قوله جامعا تصريحا بالعموم : (أُولئِكَ) أي البعداء البغضاء الذين أفهمهم اسم الجنس في الخبيث (هُمُ الْخاسِرُونَ) أي خاصة لتناهي خسرانهم ، لأنهم اشتروا بأموالهم إهلاك أنفسهم بذلك الحشر.
ولما بين ضلالهم في عبادتهم البدنية والمالية ، وكان في كثير من العبارات السالفة القطع للذين كفروا بلفظ الماضي بالشقاء ، كان ذلك موهما لأن يراد من أوقع الكفر في الزمن الماضي وإن تاب ، فيكون مؤيسا من التوبة فيكون موجبا للثبات على الكفر ، قال تعالى متلطفا بعباده مرشدا لهم إلى طريق الصواب مبينا المخلص مما هم فيه من الوبال في جواب من كأنه قال : أما لهم من جبلة يتخلصون بها من الخسارة : (قُلْ لِلَّذِينَ) أي لأجل الذين (كَفَرُوا) إني أقبل توبة من تاب منهم بمجرد انتهائه عن حاله (إِنْ يَنْتَهُوا) أي يتجدد لهم وقتا ما الانتهاء عن مغالبتهم بالانتهاء عن كفرهم فيذلوا لله
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
