كان الاستثناء للشك ، وإن كان لغيره كان لكسر النفس عن التمدح ، وللشهادة بالجنة التي هي للمؤمن ، وللحكم على حالة الموت ، على أن هذه الكلمة لا تنافي الجزم ، فهي بمجرد التبرك كقوله تعالى (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ) [الفتح : ٢٧] ذكر ذلك الإمام فخر الدين.
ولما كان ترك الدنيا شديدا على النفس ، وترك النزاع بعد الانتساب فيه أشد ، شرع يذكر لهم ما كانوا له كارهين ففعله بهم وأمرهم به لعلمه بالعواقب فحمدوا أثره ، ليكون أدعى لتسليمهم لأمره وازدجارهم بزجره ، فشبه حال كراهتهم لترك مرادهم في الأنفال بحال كراهتهم لخروجهم معه ثم بحال كراهتهم للقاء الجيش دون العير ، ثم إنهم رأوا أحسن العاقبة في كلا الأمرين فقال : (كَما) أي حالهم في كراهية تسليم الأنفال ـ مع كون التسليم هو الحق والأولى لهم ـ كما كانت حالهم إذ (أَخْرَجَكَ رَبُّكَ) أي المحسن إليك بالإرشاد إلى جميع مقاصد الخير (مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ) أي الأمر الفيصل الفارق بين الثابت والمزلزل (وَإِنَ) أي والحال أن (فَرِيقاً) عبر به لأن آراءهم كانت تؤول إلى الفرقة (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) أي الراسخين في الإيمان (لَكارِهُونَ) ثم ذكر دليل كراهتهم فقال : (يُجادِلُونَكَ) أي يكررون ذلك إرادة أن يفتلوك عن اللقاء للجيش إلى الرجوع عنه.
ولما كان لقاء الجيش أمرا قد حتمه الله فلا بد من وقوعه مع أنه يرضيه ، قال : (فِي الْحَقِ) أي الذي هو إيثار الجهاد (بَعْدَ ما تَبَيَّنَ) أي وضح وضوحا عظيما سهلا من غير كلفة نظر بقرائن الأحوال بفوات العير وتيسير أمر النفير وبإعلام الرسول صلىاللهعليهوسلم لهم تارة صريحا وتارة تلويحا كقوله «والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ، هذا مصرع فلان وذلك مصرع فلان» (١).
ولما كان سبحانه قد حكم باللقاء والنصرة تأييدا لوليه وإعلاء لكلمته مع شدة كراهتهم لذلك ، شبه سوقه لهم إلى مراده. فقال بانيا للمفعول لأن المكروه إليهم السوق لا كونه من معين : (كَأَنَّما يُساقُونَ) أي يسوقهم سائق لا قدرة لهم على ممانعته (إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) لأنها كانت أول غزوة غزاها النبي صلىاللهعليهوسلم وكان فيها لقاء ، وكانوا غير متأهبين للقتال غاية التأهب ، إنما خرجوا للقاء العير ، هذا مع أنهم عدد يسير ، وعدد أهل النفير كثير ، وكانوا في غاية الهيبة للقائهم والرعب من قتالهم ، وكل هذا تذكير لهم بأنه لم ينصرهم إلا الله بلا صنع منهم ، بل كانوا في يد قدرته كالآلة في يد أحدهم ، لينتج ذلك أنه ليس لهم أن ينازعوا في الأنفال.
__________________
(١) تقدم في سورة آل عمران عند قصة بدر ، وانظر دلائل النبوة للبيهقي ٣ / ٥٠ ومسلم ١٧٧٩.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
