الطور ـ كما في البقرة ـ لأن السياق لبيان نكدهم بإسراعهم في المعاصي الدالة على غلظ القلب.
ولما كان مستغرقا لجميع الجهة الموازية لعساكرهم ، حذف الجار فقال : (فَوْقَهُمْ) ثم بين أنه كان أكبر منهم بقوله : (كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ) أي سقف ، وحقق أنه صار عليهم موازيا لهم من جهة الفوق كالسقف بقوله : (وَظَنُّوا) هو على حقيقته (أَنَّهُ واقِعٌ) ولما كان ما تقدم قد حقق العلو ، لم يحتج إلى حرف الاستعلاء ، فقال مشيرا إلى السرعة واللصوق : (بِهِمْ) أي إن لم يأخذوا عهود التوراة ، قالوا : ولما رأوا ذلك خر كل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر ، وصار ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فزعا من سقوطه ، وهي سنة لهم في سجودهم إلى الآن ، يقولون : هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.
ولما كان كأنه قيل : فقالوا : أخذنا يا رب عهودك ، قال مشيرا إلى عظمته ليشتد إقبالهم عليه إشارة إلى أنه علة رفع الجبل : (خُذُوا ما آتَيْناكُمْ) أي بعظمتنا ، فهو جدير بالإقبال عليه وإن يعتقد فيه الكمال ، وأكد ذلك بقوله : (بِقُوَّةٍ) أي عزم عظيم على احتمال مشاقه ؛ ولما كان الأخذ للشيء بقوة ربما نسيه في وقت ، قال : (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) أي من الأوامر والنواهي وغيرهما ـ فلا تنسوه (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي ليكون حالكم حال من يرجى تقواه ، فدل سبحانه بهذا على تأكيد المواثيق عليهم في أخذ جميع ما في الكتاب الذي من جملته ألا تقولوا على الله إلا الحق ولا تكتموا شيئا منه ، قالوا : ولما قرأ موسى عليهالسلام الألواح وفيها كتاب الله لم يبق على الأرض شجر ولا جبل ولا حجر إلا اهتز ، فلذلك لا ترى يهوديا يسمع التوراة إلا اهتز وأنفض رأسه.
ولما ذكر أنه ألزمهم أحكام الكتاب على هذه الهيئة القاهرة الملجئة القاسرة التي هي من أعظم المواثيق عند أهل الأخذ وأنه أكد عليهم المواثيق في كثير من فصول الكتاب ، وكان ذلك كله خاصا بهم ؛ أمره أن يذكر لهم أنه ركب لهم في عموم هذا النوع الآدمي من العقول ونصب من الأدلة الموضحة للأمر إيضاح المشهود للشاهد ما لو عذب تاركه والمتهاون به لكان تعذيبه جاريا على المناهج ملائما للعقول ، ولكنه لسبق رحمته وغلبة رأفته لم يؤاخذ بذلك حتى ضم إليه الرسل ، وأنزل معهم الكتب ، وأكثر فيها من المواثيق ، وزاد في الكشف والبيان ، وإلى ذلك الإشارة باسم الرب ، فكأن من عنده علم أشد ملامة من الجاهل ، فقال : (وَإِذْ) أي واذكر لهم إذ (أَخَذَ) أي خلق بقوله وقدرته (رَبُّكَ) أي المحسن إليك بالتمهيد لرسالتك كما يؤخذ القمل بالمشط من الرأس.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
