يميل قلبه عن عبادة الله ربنا ويطلب عبادة آلهة تلك الشعوب ، فيسمع أقوال هذا العهد فيقول : يكون لي السّلام فأتبع مسرة قلبي ، هذا لا يريد الرب أن يغفر له ، ولكن هناك يشتد غضب الرب وزجره عليه وينزل به كل اللعن الذي في هذا الكتاب ، ويستأصل الرب اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب من جميع أسباط بني إسرائيل للشر والبلايا ، ويقول الحقب الآخر بنوكم الذين يقومون من بعدكم والغرباء ، وينظرون إلى ضربات تلك الأرض والأوجاع أنزل الله بها ويقول الشعب : لماذا صنع الرب هكذا؟ ولماذا اشتد غضبه على هذا الشعب العظيم؟ ويقولون : لأنهم تركوا عهد الله إله آبائهم ، فاشتد غضب الرب على هذه الأمة وأمر أن ينزل بها كل اللعن الذي كتب في هذا الكتاب ، ويجليهم الرب عن بلادهم بغضب وزجر شديد ويبعدهم إلى أرض غريبة كما ترى اليوم ، فأما الخفايا والسرائر فهي لله ربنا ، والأمور الظاهرة المكشوفة هي لنا.
ولما أخبر سبحانه بالتأذن ، كان كأنه قيل : فأسرعنا في عقابهم بذنوبهم وبعثنا عليهم من سامهم سوء العذاب بالقتل والسبي ، فعطف عليه قوله : (وَقَطَّعْناهُمْ) أي بسبب ما حصل لهم من السبي المترتب على العذاب بما لنا من العظمة تقطيعا كثيرا بأن أكثرنا تفريقهم (فِي الْأَرْضِ) حال كونهم (أُمَماً) يتبع بعضهم بعضا ، فصار في كل بلدة قليل منهم ليست لهم شوكة ولا يدفعون عن أنفسهم ظلما.
ولما كان كأنه قيل : فهل أطبقوا بعد هذا العذاب على الخير؟ قيل : لا ، بل فرقتهم الأديان نحو فرقة الأبدان (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ) أي الذين ثبتوا على دينهم إلى أن جاء الناسخ له فتبعوه امتثالا لدعوة كتابهم (وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ) أي بالفسق تارة وبالكفر أخرى (وَبَلَوْناهُمْ) أي عاملناهم معاملة المبتلى ليظهر للناس ما نحن به منهم عالمون (بِالْحَسَناتِ) أي النعم (وَالسَّيِّئاتِ) أي النقم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن غيه رغبة أو رهبة.
ولما كان العذاب الذي وقع التأذن بسببه ممتدا إلى يوم القيامة ، تسبب عنه قوله : (فَخَلَفَ) أي نشأ ، ولما كانوا غير مستغرقين لزمان البعد ، أتى بالجار فقال : (مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) أي قوم هم أسوأ حالا منهم (وَرِثُوا الْكِتابَ) أي الذي هو نعمة ، وهو التوراة ، فكان لهم نقمة لشهادته عليهم بقبح أفعالهم ، لأنه بقي في أيديهم بعد أسلافهم يقرؤونه ولا يعملون بما فيه ؛ قال ابن فارس : والخلف ما جاء من بعد ، أي سواء كان محركا أو ساكنا ، وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين : ويقال : خلف سوء ـ أي بالسكون ـ وخلف صدق ، وقال الزبيدي في مختصر العين : والخلف : خلف السوء بعد أبيه ، والخلف : الصالح ، وقال ابن القطاع في الأفعال : وخلف خلف سوء : صاروا بعد قوم
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
