وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر» وللترمذي (١) وقال : حسن ـ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي (٢) الفخر : ادعاء العظمة والكبر والشرف ، أي لا أقوله تبجحا ، ولكن شكرا وتحديثا بالنعمة ؛ وما اجتمع بهم في مجمع إلا كان إمامهم قبل موته وبعده ، اجتمع بهم ليلة الإسراء في بيت المقدس فصلى بهم إماما ، ثم اجتمع بهم في السماء فصلى بجميع أهل السماء إماما ، وأما يوم الجمع الأكبر والكرب الأعظم فيحيل الكل عليه ويؤمنون بالرسالة ، وما أحال بعض الأكابر على بعض إلا علما منهم بأن الختام يكون به. ليكون أظهر للاعتراف بأمانته والانقياد لطاعته ، لأن المحيل على المحيل على الشيء محيل على ذلك الشيء ، ولو أحال أحد ممن قبل عيسى عليهالسلام عليه لطرقه احتمال ، والحاصل أنه صلىاللهعليهوسلم يظهر في ذلك الموقف رسالته بالفعل إلى الخلق كافة ، فيظهر سر هذه الآية (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ) والله الموفق.
ولما دل بالإضافة إلى اسم الذات الدال على جميع الصفات على عموم دعوته وشمول رسالته حتى للجن والملائكة ، أيد ذلك بقوله : (الَّذِي لَهُ) أي وحده (مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي فلا بدع أن يرسله إلى جميع من فيهما ، بل وما فيهما.
ولما كان مما بالغه في الدنيا أنه ربما كان في مملكة الملك من يناظره أو يقرب منه من ولي عهد أو نحوه ، فربما رد بعض أمره في صورة نصح أو غيره ؛ نفى ذلك بقوله مبينا تمام ملكه : (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) أي فالكل منقادون لأمره خاضعون له ، لأنه لا موجود بالفعل ولا بالإمكان من يصلح للإلهية سواه ؛ ثم علل ذلك بقوله : (يُحيِي وَيُمِيتُ) أي له هاتان الصفتان مختصا بهما ، ومن كان كذلك كان منفردا بما ذكر ، وإذا راجعت ما يأتي إن شاء الله تعالى في أول الفرقان مع ما مضى في أوائل الأنعام ، لم يبق عندك شك في دخول الملائكة عليهمالسلام في عموم الدعوة.
ولما تقرر أنه لا منازع له ، تسبب عن ذلك توجيه الأمر بالانقياد لرسوله فقال : (فَآمِنُوا بِاللهِ) أي لما ثبت له من العظمة والإحاطة بأوصاف الكمال وبكل شيء فإن الإيمان به أساس لا ينبني شيء من الدين إلا عليه.
__________________
(١) أخرجه الترمذي ٣٦١٦ والدارمي ١ / ٢٦ من حديث ابن عباس. قال الترمذي : غريب ا ه لم يحسنه لأن فيه زمعة بن صالح ، وهو ضعيف ، لكن للحديث شواهد.
(٢) أخرجه الترمذي ٣٦١٥ وابن ماجه ٤٣٠٨ وأحمد ٣ / ٢ من حديث أبي سعيد واللفظ للترمذي وقال : حسن صحح ، وحسنه الأرناؤوط في جامع الأصول ٦٣٢٥ / ٨.
![نظم الدّرر [ ج ٣ ] نظم الدّرر](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4702_nazm-aldurar-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
